الصَدَقَةُ الأذى

الاربعاء, 16 مايو, 2018 03:23:00 مساءً


 اعتاد كثير من المُوسرين توزيع كميات من المواد الغذائية على الناس في شهر رمضان، ويربط بعض المسلمين توزيع زكواتهم الواجبة شرعًا بهذا الشهر أيضاً؛ ابتغاءً للأجر، والتماساً للبركة.
 
شرع الإسلام الزكاة كـ (حق) يؤخَذ من الغني، وليس كَ(مِنّةٍ وتفضُّلاً)أو كأوساخ يلقيها من على كاهله ليضعها في أيدي المحتاجين من الناس.
 
 الزكاة وسائر الصدقات  تُطهِّر أصحابها من الشُّح، وتزكي أخلاقهم، وتشد من أواصر علاقاتهم بأقاربهم ومجتمعهم الذي نشأوا فيه، وجاد عليهم بخيراته، وغمرهم بأفضاله .
 
أن يتحول رمضان إلى موسم إذلال للناس باستمتاع المُوسرين بمنظر أعداد كثيرة من الناس على أبواب بيوتهم، أو المحلات في انتظار بعض الفتات أو الفضلات التي تُرمى على أولئكم البؤساء بشكل يوحي بالاشمئزاز، فهذا مما يبعث في النفس الأسى، ويبُثّ في ثناياها الأحزان والحسرة، ناهيك وقد قال الله تعالى:«قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» (البقرة:263).
 
من مقاصد الزكاة نقل الفرد من دائرة الحاجة إلى دائرة الاكتفاء، ومن دائرة الأخذ إلى دائرة العطاء، ،  ومن اليد السفلى الآخذة إلى اليد العليا المنفقة، فهل مجرد إعطاء المحتاج سلة غذائية في رمضان تحقق ذلك؟! 
 
أن تنتقل عشرون أسرة - مثلاً- من دائرة الحاجة إلى دائرة الاكتفاء خير من توزيع آلاف السلال الغذائية التي تنتهي بانتهاء شهر رمضان، وبالذات إذا أدركنا بأن أهم مقاصد الزكاة سدُّ حاجة الفقير، والمسكين لثلاثمائة وستين يوماً، وليس- فقط- لثلاثين، فهل  توزيع السلال الغذائية هي الزكاة الواجبة في نظر البعض أم مجرد هدية وتبرعاً ؟!!!
 
إن الجريمة التي تُرتكب في حق مجتمعاتنا تنشأ أحياناً من نيات صالحة لعمل الخير، وإلا فماذا نسمي تعويد طوائف من الناس على ذُل السؤال ومساعدتهم على التعايش مع المهانة ورضاهم بأن يكونوا أيادٍ سفلى؟!!!! ألا يُعد ذلك جناية في حق المجتمع؟!!! ناهيك عندما يكون ضمن تلك الأعداد من ليس له علاقة بالاحتياج، ولكنه حشر اسمه بسبب دناءة نفسه، وسقوط كرامتهه، ومَنْ أظلم ممن كان سبباً في حرمان محتاج؟!!!!
 
مع اقتراب رمضان يتسابق الكثير من الناس لتقييد أسمائهم في كشوفات المتسولين لدى أصحاب الأموال، وتبدأ حركات البعض من الميسورين في التأكد من تلك الأسماء، أو التقاط صور أولئكم البؤساء ليتباهي بتلك الصور الشاحبة، ويستمتع بأصوات المحرومين التي تدعو له بالخير والبركة، ويتلذذ بمنظر أجسادهم المتزاحمة على كميات الدقيق المتراكمة.
 
لا أدعو إلى قطع هذا الخير عن المحتاجين، لكنني أنادي إلى مراعاة كرامة الإنسان، والتفتيش عن المستحقين المتلفعين بأستار الحياء وثياب الكرامة، والذين لا يسألون الناس إلحافًا، وربما فضّلوا الموت بعزة عن الحياة بذل ومهانة، أو الاصطفاف في طوابير المتسولين.
 
ألا يُعَدُّ تعليم أبناء الأسر المحتاجة، وتدريبهم على مهارات الحياة وتحويل الأسر المحتاجة إلى أُسر مُنتجة أوْلوية لا تقِلُّ في أهميتها عن توزيع كميات من التمور والغذاء في شهر رمضان المبارك؟!!!
وقد قيل: " لا تعطني سمكة كل يوم وعلمني كيف أصطادها".
 
الظروف القاسية التي يمر بها الناس اليوم نقلت الغالبية منهم إلى دائرة الحاجة، مما يجعل أصحاب الأموال في اختبار حقيقي أمام مسئوليتهم الدينية والوطنية، والحاجة لا تزول بانقضاء شهر رمضان.
 
ابتكار أفضل الوسائل لإيصال المساعدات إلى الناس هو ما ندعو إليه، ناهيك، وعندنا القدرة على تحقيق ذلك، فكل واحدٍ منا -لا شك- لديه اطلاع على جيرانه، وأهله، وأقاربه وأصدقائه، وإيصال هدية رمضان إلى المحتاج منهم ليست متعذرة.
 
نستطيع عن طريق البطائق التموينية، أو نظام القسائم، أو تسديد الديون عن المدينين، أو غيرها من الوسائل إيصال ما نريد وبطريقة راقية في شهر رمضان، وسائر الأيام ، ما لم فإن صدقاتنا قد تتحول- بحسن نية- إلى أذىً يصيب الفرد، والمجتمع عاجلاً وآجلاً.