في حضرة أبي

الخميس, 03 مايو, 2018 08:12:00 مساءً


من عجائب الله في خلقه ان أودع حنانا بحجم الكون في قلب يعادل قبضة اليد, انه قلب الأب الذي يخفق حبا وعطاء لمن جلبوا بقدومهم بهجة الحياة وفرحها, هو الأب الذي جعل من نفسه ترسا يحتمي خلفها أبناؤه ليحجب عنهم نوائب الدهر وأوجاعه.   عندما نتحدث عن الأب يكون العطاء أول الحاضرين، يستمع بلهفة لكل ما يقال فنحن بصورة أخرى نتحدث عنه، فالاب معين لا ينضب, يد تستمر في العطاء.   والد محمد السباك خير من يترجم أجل معاني الأبوة، يحمل على ظهره ابنه الذي لم يرى نور الدنيا منذ الوهلة الأولى له في الحياة، ليصل به إلى منصة التكريم لحفل خريجي المرحلة الاعدادية في مركز النور.   ليست هذه المرة الأولى التي يحمل فيها والد محمد ابنه بدون ملل أو كلل، يقول محمد " يحملني ابي على ظهره دائما في المواقف التي تحتاج لذلك ".   محمد السباك البالغ من العمر 25 عاما، يعاني إعاقة حركية إلى جانب إعاقته البصرية، لا يزال في صفوف الاعدادية لظروف مادية حالت دون استكماله تعليمه فتوقف عدة سنوات، غير ان صوت الطموح ظل ينبض بشدة إلى ان عاد لاستئناف تعليمه وهي الخطوة الاولى التي توصله لحلمه المبتغى في ان يصبح اعلاميا ناجحا.   والد محمد رجل مسن في أواخر الخمسينيات من عمره, أبٌ لثمانية ابناء يتوسطهم محمد, كان يمتهن أعمالا حرة في البناء وغيرها، وهو الان عاطل عن العمل، جعله الله ظلال من عطف تشرق شمسه في كل لحظة لتنير عتمة ابنه فتتوارى خلف جدران الوجود.   ليس جمال ما يصنع أبو محمد في حمل ابنه، بقدر جمال رغبته في استثماره وتشجيعه ليجعل منه فردا نافعا لنفسه ولوطنه، فإعاقة ابنه التي التحمت بظروف الحياة القاسية لم تنقص شيئا من عزيمته في دفع فلذة كبده لنسج خيوط مستقبله الواعد.   أبو محمد رسم لوحة بديعة، بالوان أبوية حانية استوحاها من وجدانه المتّقد عندما حمل ابنه على ظهره وأطلق ابتسامة عذبة تحمل في فحوها الرضا، ليخبرنا انه يحمل ابنه في قلبه وليس على ظهره.   إن الواقف أمام هذه اللوحة، يغرق في الخجل، يطأطئ رأسه تكريما لهذا الأب، فالكون على اتساعه قد بدا ضئيلا أمام عظيم أبوته وأنسانيته الزاخرة التي جسدت أروع امثلة العطاء.