نُخب الخلاص الذاتي في اليمن

الثلاثاء, 03 أبريل, 2018 04:28:00 مساءً


انتقال المجتمع اليمني من حالة الحرب التي يعيشها إلى وضع انتقالي يهيئ لسلم أهلي مستدام يأتي نتيجة تنامي وعيه المناهض للحرب. وفي هذه الحالة، تصوغ النخب مطالب المجتمع في صيغة سياسية لسلام وطني جامع، أو أن تنهض النخب وحدها بهذه المسؤولية، بتهيئة المجتمع لتجاوز حالة الاحتراب الأهلي. خلافاً لنخب مجتمعات الحرب، ظلت النخب اليمنية عائقاً رئيساً لأي حراك اجتماعي ينشد السلام، في حين يتنامى وعي مجتمعي مضطرد يناهض الحرب وكلفتها على اليمنيين، تتصلب النخب اليمنية أكثر في مواقفها الثابتة حيال الحرب، على الرغم من أن ما أفرزته الحرب بالوكالة من انقساماتٍ اجتماعية، بما فيها تفتيت دول التحالف اليمن، يشكل أرضية ملائمة لمراجعة النخب اليمنية مواقفها المبدئية من الصراع الداخلي وتقييم نتائج التدخل العسكري، إلا أن النخب اليمنية ما زالت تتبنّى خيار الحرب ضرورة سياسية دائمة، حتى تحقيق أهداف أطراف الصراع اليمنية وحلفائهم الإقليميين، وتسعى، بكل جهدها، في كبح (وتعطيل) أي حراك مجتمعي يمني يدعو إلى إنهاء حالة الاحتراب الداخلي والتدخل العسكري الخارجي. 
    مراوحة المجتمع اليمني في حالة الحرب ناشئة، في المقام الأول، عن تسلط مستويين من العنف تجاهه، يعملان معاً على تقييد حركته، وتثبيط أي نشاط مجتمعي مناهض للحرب، عنف أطراف الصراع اليمنية وحلفائهم الإقليميين حيال اليمنيين، التي تتمظهر بممارسات قهرية يومية، لتضيق خيارات الحياة أمامهم، وعنف نخبوي يتمثل بتكريس النخب اليمنية بيئة الحرب وضعا مستداما، مفروغا منه، باعتباره قدرا، وعلى اليمنيين البسطاء وحدهم تكييف حياتهم وفق شروطه القاهرة. وفي حين يمكن فهم دوافع أطراف الصراع في دفع المجتمع اليمني خلف الحرب إلى ما لا نهاية، فإن شرعنة النخب اليمنية استدامة الحرب، وتعطيلها أي حراك مجتمعي مناهض لذلك، لا يكشف عن انتهازيتها التاريخية، وإنما عن كونها حاضنة للحرب، نهضت عليها وتتغذى بالضرورة على استمرارها. 

  لم تغادر النخب اليمنية، على اختلاف أيديولوجياتها، منطقها التاريخي في إدارة أزمات اليمنيين لصالحها، إذ لطالما ناضلت النخب في الصراعات والحروب الأهلية التي شهدتها اليمن من موقع آمن، ضمن لها حماية مصالحها في ظل الصراع وإشراكها في السلطة في مرحلة لاحقة، واتساقاً مع انتهازيتها التاريخية، فإن النخب اليمنية اليوم، وبعد قمعها الأصوات المحايدة الرافضة للحرب داخل كتلتها، تنكّرت لدورها الوظيفي، وذهبت بعيداً في دفاعها عن مصالحها ومصالح أطراف الصراع، وبالطبع على حساب اليمنيين، إذ ترجمت خيارات أطراف الصراع اليمنية وحلفائهم في بقاء الحرب ضرورة، في مقابل حماية مصالحها في الداخل، أو توفير بيئة مريحة لنفسها في دول إقامتها خارج البلاد، في حين وظفت بنية الحرب المستقرة في مراكمة ثرائها غير المشروع. في وقتٍ أفقرت فيه معظم الشرائح الاجتماعية، فإن النخب اليمنية، وخلافاً لمعظم اليمنيين الذين دفعوا ضريبة حربٍ لم يشرعنوا لها، لم تتأثر أبداً بالحرب. 

    كانت لامبالاة النخب اليمنية حيال مأساة اليمنيين نتيجة طبيعية لتحولها قوة اقتصادية جديدة، إذ شكلت الحرب بالنسبة لها وسيلةً لتحريك اقتصادها الخاص، فمنذ بدء الحرب انخرطت معظم النخب في مختلف أنماط الاقتصاد السياسي الذي أحدثه النزاع الداخلي والتدخل العسكري في اليمن، إذ أصبحت جزءا من ماكينة اقتصاد الحرب، شبكة محلية وإقليمية، تدير الاقتصاد السياسي للحرب، بمعية أطراف الصراع اليمنية وحلفائهم الإقليميين، وذلك من خلال استفادتها من الأموال المتدفقة من دول التحالف، أو من الأموال التي تحصل عليها أطراف الصراع اليمنية بطرق غير شرعية، أو بانضوائها في شبكة الفساد التابعة لأطراف الصراع اليمنية، وحصولها مقابل خدماتها على وظائف في الدولة، أو إدارتها استثمارات أخرى، وكذلك تربحها من المنظمات الدولية. 
    تجاوزاً لنخب عربية كثيرة تعاني بلدانها من الحروب، أوجدت النخب اليمنية رأسمالها الناشئ من اقتصاد الحرب، سواء منها النخب المتموضعة مع أطراف الصراع وحلفائهم التي أقامت مشاريعها الاستثمارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وكذلك في المناطق الخاضعة للسلطة الشرعية، أو النخب المقيمة في الخارج التي أسست هي الأخرى اقتصادا رديفا، ناشئا بالضرورة عن اقتصاد الحرب. وبالطبع استثمار المساعدات الإنسانية لليمنيين. واللافت هنا أنه على الرغم من اختلاف البيئة الاجتماعية للنخب اليمنية المقيمة في اليمن عن التي تعيش في الخارج، إلا أن ذلك لم ينشئ تمايزا في أدواتهما السياسية، وفي مواقفهما من الحرب، ومن القضايا الوطنية بشكل عام، إذ تتقاطعان في انتفاعهما من الاقتصاد السياسي للحرب في بلادهم، وكذلك في عزلتهما عن المحيط الاجتماعي اليمني الذي يشكل اتساع الفقر أحد ملامحه الرئيسية، فيما احتفظتا بادّعاء تمثيل اليمنيين، وتحول هذا الادعاء وسيلة للتربح. 

    ظل الخلاص الذاتي المحدد لخيارات النخب اليمنية طوال الحرب، وإذ لا نستطيع بأي شكل إدانة خيارها بالخلاص الذاتي وترتيب أوضاعها، سواء داخل اليمن أو في الخارج، لكن استمرار ادعائها تمثيل اليمنيين، وعلى الضد من مصالحهم، يمثل انحطاطا أخلاقيا غير مسبوق، ففي حين يحلم اليمنيون البسطاء في وقف حربٍ سحقت حياتهم، ترى النخب اليمنية وأطراف الصراع في أي دعوة لإيقاف الحرب استهدافا لمصالحها، إذ سيجفف مشروعيتها وكذلك مواردها الاقتصادية القائمة على اقتصاد الحرب، ومن ثم تعمل هذه التوليفة السياسية مجتمعةً في تجذير أسباب استدامة الحرب في اليمن، لحماية مصالحها الاقتصادية، مهما تضاعفت كلفة الحرب على اليمنيين. 

    "الخلاص الذاتي أسوأ من ظروف الحرب نفسها"، هذا ما قاله الصحافي اليمني، بشير السيد، قبل أن يقتله، في فبراير/ تشرين الثاني الماضي، فيروس سارس في مستشفى في صنعاء. وإذ تكثف مقولته مسار حياته القصيرة وخياراته السياسية الرافضة مهادنة أطراف الصراع اليمنية وحلفائهم الإقليميين، أو خلاصه الذاتي بالهرب من جحيم بلاده، ليقيم في الخارج كما فعل كثيرون من أقرانه، فإن النخب اليمنية، وعلى اختلاف تموضعاتها وأيديولوجياتها وأجيالها العمرية، لا تتحرّج أبداً من خلاصها الذاتي على حساب اليمنيين، وعلى اليمنيين البسطاء أن يدفعوا الثمن. خطاب بشير السيد وموقفه من الحرب كانا الأقرب إنسانياً ووطنياً إلى معاناة اليمنيين وآمالهم، بينما جسد موته نموذجا لمأساة اليمنيين، بسبب الحرب وانتهازية النخب.