جيشٌ من الدراجات النارية

الخميس, 15 مارس, 2018 05:12:00 مساءً


اندلعت الثورة اليمنية ضد الإمامة عام 1962، فانتهت بنجاح الثورة والجمهورية وسقوط الإمامة. وفي ذلك الحين، وضع الثوار الأحرار أهداف الثورة المباركة التي قاتلوا لأجلها وضحوا في سبيلها بكثير من الشهداء والجرحى، وقد نص الهدف الثاني من أهداف الثورة المباركة على "بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها".


  مرّتِ السنون، ولا زالت معظم أهداف الثورة اليمنية مجرد حبرٍ على ورق، وما تَحقُق كان شكليا كأسطوانةٍ يراها الناظر من بعيد فيظنها إسطوانة غاز، وما إن يقترب منها يجدها مجرد كرتونٍ ورقي فارغ.


  تتابعت الأحداث والأزمات بسرعة الضوء، وكانت حينها المؤسسة العسكرية شبحا عملاقا يهابه البعيد وينصاع له القريب، ولكن حين اشتعلت الصراعات المسلحة، بعد ثورات الربيع العربي، والتي شملت اليمن، تهشم ذاك الشبح العملاق، ليظهر مثل رجلٍ آلي الصنع، صنع كل جزءٍ منه على حِدة ومن معدنٍ آخر، إذا انكسر ضلعٌ منه صعب على الصانع إعادته وتجميعه كما كان. كذلك هي المؤسسة العسكرية اليمنية، انشطرت ليصير كل جزء منها تحت سلطة فردٍ أو شيخٍ، ولكن خارج سلطة الدولة.


  الجيش اليمني الذي كان يعتبر الجيش الرابع عربيًا من حيث العدد والعدة، صار جيشًا بلا عددٍ وعدة. هذا الجيش، هو الذي اعتبرته أحزاب سياسية جيشًا عائليًا يتبع الأسرة الحاكمة في البلد، أي عائلة الرئيس السابق، علي عبدالله صالح؛ ودافع عنه بعضهم بأنه جيش الوطن الذي تتحطم عليه مؤامرات أعداء الثورة والجمهورية.


  بينما الأطراف التي تحمل بُعدًا سياسيًا وثقافيًا معتدلًا لم تعول على هذا الجيش بشيء، كونها أكثر إدراكًا ووعيًا بأن الجيش الذي لا يُبنى على إيديولوجية وطنية، ولا يملك وعيًا ثقافيًا يرشده إلى بناء الحس بالمسؤولية تجاه الشعب والوطن، لا يمكن له أن يحمي ثورة أو شعب أو وطن.


  وفي خضم الأحداث، تبيّن للجميع أن معظم هذا الجيش إن لم يكن جله، ما كان جيشًا وطنيًا ولا حتى جيشًا عائليًا، وهذه هي الحقيقة المُرّة التي صَعُبَ على الشعب مضغها وبلعها. والحقيقة الأخرى التي لم يدركها الشعب أن الجيش اليمني أصبح، بعد أحداث عام 2014 مجرد جيش من الدراجات النارية، هكذا يقول الواقع المعاش، مُـنذ سقط الشبح العملاق الذي عَلّــق عليه الشعب آماله.


  كثيرون جدًا من أفراد هذا الجيش بدأوا حياة أخرى، بعيدًا عن القسم العسكري والطابور الإلزامي، من خلال العمل على الدراجات النارية التي وحدها تقيهم كابوس الفقر وانقطاع الرواتب، والتي ترفع عن كاهلهم شبهة الإنتماء إلى هذا الجيش المتهالك. فبينما أنا أستقل إحدى هذه الدراجات، أتبادل الحديث مع سائقها، أكتشف قبل أن أصل إلى المكان المحدد الذي أريده أن سائق الدراجة جندي في الجيش، ترك السيرك العسكري، واستأنف حياته، مخلّفًا وراءه ذكريات كثيرة جمعها منذ التحاقه بالجيش. يحدثني أحد سائقي هذه الدراجات، قائلًا "تركت الجيش بحثًا عن لقمة العيش، فالشرف العسكري لن يكون أغلى من شرفي وكرامتي، خصوصًا وأننا أصبحنا بلا رواتب منذ ما يقارب العامين".


  ويقول آخر "تمنيت لو أني ما التحقت بالجيش الذي ظهر مع الأيام أنه بلا مبدأ، وليس الخطأ فيه ولكن في صانعيه الذين لم يؤسسوه على عقيدة وطنية خالصة". لذا، أصبح الجيش اليمني، للأسف، جيشا من الدراجات النارية، والقسم العسكري الذي قطعوه على أنفسهم باعه القائد والسائس قبل الفرد، ما جعل هذا الفرد مجرد سلعةٍ يريد القائد أن يفاوض بقيمتها، متى أراد تحقيق مكسب معين، وبيعها متى اقتضت مصلحته ذلك.