تفكيك اللغز العصي في المشهد السياسي اليمني

الجمعة, 09 فبراير, 2018 05:48:00 مساءً


البناء المنغلق للأحزاب السياسية في اليمن فيما قبل عام 90م جعل الحياة السياسية بعد إعلان التعدد تبدو كإعلان حرب أهلية باردة.
 
نظرا لتأخر إقرار التعددية ظلت النخب السياسية طوال عقدي السبعينات والثمانينات تعمل في الخفاء وفي أماكن مغلقة وبصورة كرست لدى عناصرها عقد الكراهية والعداء للأخر وعدم القبول به.
 
شهدت كما شهد غيري لحظة إعلان التعدد حيث كشفت عن كيانات عصبوية تنفجر براكين من الخصومة والغيض لبعضها.
 
كانت أشبه بقشرة أرضية تغطي بركانا ثائرا ما إن انقشعت حتى تطايرت حممه في الأرجاء.
 
انصار كل حزب بدو لحظتها معتنقين ايديولوجيتهم كما لو كانت دينا غير قابل للمساومة، وكل شيء يعرض على الساحة السياسية يقايسونه من ثقف الأدلجة.
 
مما زاد الطين بله أنه ولكي تضمن الأحزاب ولاءا أعمى من عناصرها ومناصريها فقد كرست ثقافة المنابذة والقطيعة، لتقيم بذلك الحواجز الصلبة بين مكونات المجتمع السياسي، وأيما عنصر يقترب من آخر لا ينتمي لذات الحزب مشكوك في ولائه وإخلاصه.
 
حتى العلاقات الاجتماعية وعلاقات المصاهرة أخذت تتشكل من جديد بشكل يتجاوز شبكة علاقات الأسرة والقبيلة والقرابة والجوار والمهنة.
 
تخاصم الوالد وولده والأخ وأخيه داخل البيت الواحد بسبب اختلاف البطاقة الحزبية، لقد صارت البطاقة الحزبية أشبه بهوية بديلة تغطي جوهر الإنتماء الوطني العام.
 
ذات الثقافة التعصبية وبفعل تكثيف الصراع الأيديولوجي انتقلت من الميدان الاجتماعي إلى الميدان الوظيفي والمؤسسي، فصار التحزب المعيار الأهم للوظيفة العامة ونيل الإستحقاق.
 
خلال ثلاث سنوات على الأرجح صار المجتمع بأسره منشطر نفسيا واجتماعيا، رأسيا وأفقيا، إلى ثلاث أجزاء رئيسة غير متناغمة، وحولها بعض الأشطاف الحادة من جزيئات النخب السياسية الصغيرة والأصغر.
 
كانت ثقافة الكراهية تنخر جسد العلاقات النخبوية البينية حتى استحالت خصومة معلنة حتى بين العوام. أما حالة التوتر الدائم والتعبئة العامة فقد غدت أهم أداة الحزب السياسي لتحقيق الكسب الجماهيري في موسم الانتخابات، فكلما كانت الجماهير مشدودة بعناصر التحدي كانت فرصة النجاح لمرشح الحزب أضمن، لذلك صارت المواسم الديمقراطية أشبه بزيت يصب على نار مشتعلة، وغالبا ما كانت تفجر الصراعات الحادة التي تقود إلى حرب عسكرية بين فرقاء السلطة.
 
أول انتخابات نيابية بعد إعلان التعدد كانت في العام 93م، وقد شهدت توترات حادة بين القوى السياسية على مستوى كل دائرة انتخابية، أما نتائجها الكلية فقادت إلى شراكة ثلاثية سلطوية بلا رؤية لواقع السلطة، انتهت بفرقة بين شركاء الوحدة تبعها عزلة فوساطات فاشلة، انتهت بإعلان حرب صيف 94م واختلال المعادلة السياسية.
 
أما انتخابات عام 97م فقادت إلى إنفراط عقد الشراكة السياسية بين حلفاء صيف 94م، واعادة التموضع الإكراهي بين السلطة والمعارضة، وانتهت بظهور اللقاء المشترك الذي جعل هدفه الأعلى انتزاع السلطة عبر الانتقال إلى مربع تثوير الجماهير.
 
ما زاد الطين بله أن الأحزاب السياسية اتجهت منذ إعلان التعدد صوب فئة الشباب العاملة والمنتجة، فشغلتها عن العمل والإنتاج والكسب بمهام الاستقطاب السياسي الجغرافي والفئوي، وتبعا لذلك تشكلت قواعد الأحزاب من تجمعات كبيرة من العاطلين الباحثين عن الوظيفة والمنصب عبر إثبات إخلاص الولاء والتعصب للحزب على حساب الوطن وشبكة العلاقات الاجتماعية.
 
استمرت جذوة الصراع متصاعدة تذكيها العناصر الحزبية المشبعة بثقافة الكراهية ونهج القطيعة، وانتقلت عبرها جذوة الصراع السياسي إلى الجماهير وعموم الشعب تدريجيا حتى بلغت الذروة، فصار التحدي والعناد عنوان العلاقة السياسية بين النخب الحزبية في السلطة والمعارضة.
 
برزت مظاهر التحدي بين المشترك والمؤتمر بجلاء في العام 2006، حيث عبر كل فريق عن رغبته في تجاوز الآخر بشكل كلي دون تقديم أي تنازلات سياسية، وبغض النظر عن مشروعية الوسيلة، لقد صار الأمر  عظيما، ولم يعد معه الحوار الثنائي مجديا.
 
في غمرت الصراع المحموم أخذت الأفعى الحوثية  تفقس بيضها من مران إلى أطراف صعدة وعمران وكتاف والجوف وأزقة صنعاء وحواريها دون أن تحرك مخاوف أطراف الصراع المحتدم.
 
فجرت الحوثية حروبها الست في صعدة لتدريب مليشياتها الطائفية على الحرب والسيطرة على المحافظة باعتبارها منطلق تاريخي للإمامة، بينما كانت أطراف السلطة والمعارضة تستخدم الحوثية جزءا من صراعات البينية.
 
استمرت مليشيا الحوثية تأكل الدولة من أطرافها وفي ذات الوقت تلعب على أوتار الصراع الثنائي بين القوى الجمهورية فتقدم نفسها تارة حليفا للمشترك في مطلب إسقاط السلطة، وأخرى تقدم نفسها لصالح خصما أيديولوجيا للإصلاح.
 
في العام 2009م أعلن رسميا عن موت ما كان يسمى باللجنة الوطنية المشتركة للحوار، وصارت لا تعبر إلا عن طرف واحد، وانتهج المشترك خطة بديلة لتحريك الشارع والاستقواء به، استمرت طوال عامي 2009 و2010م وكان يطلق عليها الهبات الجماهيرية، وانتهت لاحقا بالهبة الشعبية في 3 فبراير 2011م عند بوابة الجامعة تزامنا مع انتفاضة تونس ومصر.
 
 لقد كانت تلك التظاهرة الجماهيرية بمثابة الإعلان الأخير لانتحار مشروع التغيير الديمقراطي في اليمن، والانتقال لمنهج التغيير الثوري بخيارات مفتوحة أو عدمية.
 
كما مثلت أيضا الإعلان الأول للقطيعة التامة بين مكونات السلطة السياسية لتنتهي إلى طريق اللاعودة.
 
انفجر الوضع شعبويا بفعل الخطاب العاطفي وتأثيرات البيئة المحيطة في كل من تونس ومصر، وعوامل أخرى ثانوية.
 
هاجت الجماهير التي جرى ترويضها فهاجت معها الشوارع والمنابر، وامتلأت الساحات وارتفع خطاب التهييج والتثوير والتثوير المضاد، وكأن الحماس والتهور عنوان الموقف.
 
لم تحسب حينها كل الأطراف عواقب تفجير الوضع جماهيريا، بل لم تكن تتوقع حتى النتائج.
 
كانت تظن الأمر سهلا فلما خرجت الجماهير وامتلأت الساحات وعجزت عن إقناعها واقتيادها، أدركت ولكن في الوقت أبعاد ما قد تؤول إليه الأحداث من أشكال فوضوية، فحاولت القفز بتحويل هيجان.