نهج الدولة وسلوك الملشنة

الأحد, 04 فبراير, 2018 11:13:00 صباحاً


صورتان مختلفان كلياً وجذرياً ارتسمتا وبرزتا من خلال أحداث عدن الأخيرة.
 
الأولى صورة الدولة المسؤولة التي تبني المجتمع وتشيد العمران وتوفر الخدمات وتحمي الحقوق وتصون المؤسسات وتطور المنشآت العامة والخاصة وتحقق الأمن وتحارب الجريمة وتوفر سبل العيش وتحمي الاقتصاد وتحاول أن تستعيد للريال قيمته والمواطن كرامته، وتتعاطى مع المتغيرات وتستقبل كل الأطياف وتصمد في وجه الرياح العاتية حاملة على عاتقها كامل الهموم والمهام.
 
تخطط للمستقبل الواعد في لحظة الحرج الشديد لا يستوقفها عائق مهما كان، وقد جسد هذه الصورة دولة الدكتور أحمد بن دغر في أنصع معانيها، ومن خلفه طاقم حكومته التي ثبتت على أرض عدن عاصمة الشرعية.
 
وصورة أخرى فوضوية نزقة بأنا متضخمة ونفس طماعة تستثمر  عواطف الجماهير لصالح اللامشروع واللاعقل سوى الخداع الذي يتوارى خلف بريق زائف من الوهم والخيال والسراب والفشل.
 
إنها تنتهج الضجيج لتخطف به إرادة الجماهير لتجعل منها لافتة مغدورة وستارا تخفي ورائه نزوات التخريب والتدمير والفوضى اللا إدارية، وهي تكرر نفس الضجيج هنا وهناك وفي كل خطوة وسكنة لا لشيء عدا نزوة المراهقة.
 
ولقد جسد قادة الانتقالي هذه الصورة غير الناضجة ولا المسؤولة من خلال أحداث عدن الأخيرة التي انتهت بلا شيء سوى ما خلفت من دمار لعدد من المباني والمنشآت الحكومية الحيوية وعدد من الجثث والجرحى وتعطيل تمام لمصالح الناس ونشر للرعب   والخوف.
 
لسنا ضد مطالب الجنوب نخبة وجمهورا فمن حق المواطن التعبير عن رأيه بالطرق السلمية وطرح قضاياه ومطالبه ومن حق أبناء الجنوب أن يكون لهم رؤية واضحة تجاه مستقبل الشراكة السياسية غير أن الصورة التي ظهر بها الانتقالي وأدت ما كان يمكن تسميته بالحراك الجنوبي وأضفت عليه صورة الملشنة والتخريب.
 
نستطيع الجزم أن أحدا من عقلاء الجنوب لا يقر بذلك السلوك الخاطئ الذي أنتهجه الانتقالي بدءا بمطالبته بترحيل الحكومة وتهديدها وانتهاءً بتفجير الموقف عسكريا ومحاصرة المدينة وتدمير المؤسسات، فهذا السلوك المليشاوي قد يقود بالفعل إلى تفكيك الجنوب وتقسيمه وتحويله إلى ساحة حرب أهلية بطوائف عدة.
 
هل ثمة عاقل يمكنه أن يخرب بيته بيده؟ وهل اشعال حرب أهلية جديدة داخل عدن ستكون حلا للقضية الجنوبية في حدودها القصوى كما يتصورون.
 
مراهقة سياسية مازجها ظن كاذب وتقدير خاطئ.
ظن أولئك أن سياسات التحالف تجاه منطقة ما أو طرف ما يعني الموافقة الضمنية على نزواتهم غير الواعية والمجافية للواقع اليمني والمتغير المحلي والإقليمي.
 
سياسات التحالف العربي بجناحيه مهما بدا للبعض اختلافها فإنها لا تخرج عن الخطوط الوطنية العريضة المتمثلة في وحدة اليمن وأمنه واستقراره.
 
يحاول التحالف العربي إعادة ضخ الحياة في جسد السياسية اليمنية التي اختل توازنها بعد أحداث العام2011 وتعرجت مساراتها في 21 سبتمبر 2014م.
 
بفعل الانقلاب وتسلط المليشيا الحوثية واحتلالها المدن وتدميرها لمؤسسات الدولة. ومن هذا القبيل يعمد التحالف لبعض السياسات التي هدفها الأبعد وغير المرئي خلق توازن سياسي يمنع تكرار الخطأ مستقبلا، غير أن البعض يظن خطأ أن حظوه بالقبول مرة أو مرتين يعني جواز عبور مفتوح لكل نزواته وشطحاته، وما يلبث أن يصطدم بالواقع ولكن بعد حدوث المصيبة والكارثة وتمزيق أواصر التواصل والوفاق!.
 
إنها في الحقيقة عقد النقص التي تتوارى خلفها انفعالات المراهقة وشطحات الاستظهار من قبيل المحاولة لإثبات الذات عبر الصوت المرتفع والفعل الجارح، وإنها لأعظم مشكلة نفسية تصاحب النخب المصنوعة على عجل في لحظة فوضى مشفوعة بزخم الجماهير المنفعلة.
 
كنا نعتقد في لحظة اشهار المجلس الانتقالي أنه سيكون خطوة في الطريق السياسي الصحيح على طريق تكوين معارضة سياسية تملأ فراغ ساحة المعارضة الفارغة ولو جنوبا رغم ما كان يظهره من نزق ينبئ عن صبيانية.
 
لقد كدنا حينها نجزم بنجاح النخب الصاعدة الجديدة جنوبا على حساب النخبة التاريخية التي ظلت تمثل مرجعية سياسية للجنوب طوال خمسة عقود، بل وعلى حساب نخبة الشمال التي لم تبارح جيل الكهولة، غير أن الانحراف باتجاه المسلك المليشاوي أنهى الحلم السياسي وصادر المشروعية الجماهيرية للعناصر  المنضوية تحت مسمى الانتقالي  إن لم يكن لجميع النخب الصاعدة.
 
عاصمة هي مهبط الدولة ومستقر الشرعية هل تحتاج  لمليشيا خارج نطاق الدولة؟ وهل جيش الدولة الذي تأسس فيها ومن أبنائها غير كفؤ في حماية مصالحها؟.
 
استفهامات كثيرة يضعها كل متابع ومشاهد للأحداث ليس فقط في عدن بل وفي غيرها من المحافظات.
 
من وجهة نظري كباحث سياسي أعتقد أن الكيانات الموازية لسلطات الدولة وأجهزتها هي فخاخ تهدد المستقبل إن لم تفجر الحاضر كما حدث في عدن.
 
صحيح أن المعركة أعني معركة التحرر من المليشيا الحوثية جنوبا وشمالا استدعت هبة عامة من كل الأطراف والأطياف كون مؤسسات الدولة انهارت واستسلمت في لحظة الانقلاب الملشاوي2014م، ولكن ليس من النظام والسيادة في شيء أن تظل بعض الأشكال المليشاوية خارج نطاق سيطرة الدولة بمؤسساتها المختلفة بغض النظر عن فرضيات الفدرالية واليمن الاتحادي التي لا تتعارض مع التنظيم المؤسسي ولوازم السلطة والمسؤولية وسيادة القانون.، ومن وأجب الدولة أي دولة  أن تهيمن على كل أدوات القوة وأن تبسط سيادتها كاملة غير منقوصة.
 
وإذا كانت المناطق المحررة هي التي تشكل وجه الدولة ونموذج السلطة الشرعية فإنه بالأحرى ألا تسمح فيها ببقاء أي شكل من أشكال الملشنة ولو كانت تحت مسميات براقة دامت لا تخضع في توجيهها وسياساتها وعملها لمؤسسات الدولة بأطرها الرسمية،  وعلى هذه الكيانات أو التكوينان أن تندمج بمؤسسات الدولة كيلا تصبح معارضة مسلحة وخروجا على الدولة.
 
في كل قواميس الدنيا وانظمتها السياسية لا يوجد مسلك يجمع بين سلطة الدولة وسلطة مليشيا أخرى داخل جسد الدولة، طريق واحد فقط لا ثاني له إما الدولة أو الملشنة، ومن يرفض الاندماج بمؤسسات الدولة والذوبان في أطرها الهيكلية فهو يؤسس مليشيا للخروج على الدولة.
 
قد يتحجج البعض أن ثمة سيطرة لطرف ما على مؤسسة ما والحقيقة هي أن كل الأطراف السياسية في اليمن توارثت فيما سبق ثقافة الملشنة ولو بشكل غير مرئي داخل هياكل الدولة، فما إن سقطت المؤسسات وانهارت الدولة بفعل الانقلاب الحوثي حتى تجمعت من جديد في صورة جماعات تشكل كيانات طفيلية موازية لمؤسسات الدولة، وتحتاج لقوة وارادة حازمة لإنهاء هذه الثنائية التعارضية المولدة للعنف الدائم والفوضى المستدامة.
 
في ميدان السياسة ثمة مجال واسع لأخذ ورد وطروح وبدائل حتى فيما يعتقد أنه صار إجماعا، فكل شيء في هذا الباب قابل لإعادة النظر والتداول مهما كان مستحيلا من وجهة نظر ما، فدرالية ستة أقاليم أو أقل أو أكثر أو صيغة أخرى أكثر اتساعا ومساحة، ويمكن في هذا الباب صناعة تحالفات وثنائيات بهدف الانتصار لطرح معين، أو تعديل رؤية ما، الا في الميدان العسكري والأمني فإنه السياج الأعلى للدولة والضامن الأوحد لوجودها وسيادتها، وأي تشكيل في هذا الباب خارج نطاق الدولة مهما كان مبرره ينظر إليه على أنه إعلان خروج على القانون والدولة ومنازعتها سلطة السيادة.
 
كنت قد كتبت قبل عام مقالا استشرافيا لمستقبل أمن  اليمن في ظل الفصائل المسلحة تنبأت فيه بتحول هذه المظاهر المسلحة غير المنتظمة مؤسسيا إلى مشكلات أمنية تعيق تقدم الشرعية وتعيق بناء الدولة واستعادة فاعلية مؤسساتها السيادية، وها هو الواقع يثبت صدق التنبؤات من خلال أحداث عدن والتي هي بمثابة الدرس التحذيري لكل مناطق الشرعية.
 
أخيرا ثمة شهادة في الذمة يجب أن تقال من باب الرد اللازم على شعارات المزايدة التي رفعت  ضد حكومة دولة الدكتور بن دغر أقول:
 
الحقيقية والحقيقة فقط لم تعرف الشرعية نوعا من التنظيم والمؤسسية والمسؤولية والنشاط المنتظم وإعلان الخطط والاستراتيجيات والموازنات العامة إلا في ظل قيادة هذا الرجل الوطني الذي يسوق كل يوم بين أيدي شعبه أروع نماذج التضحية والفداء والإصرار والتفاني.
 
كما لم تعرف سلطات الشرعية انسجاما وتماسكا ونشاطا موحدا نابعا من رؤية كلية وخطة عامة الا في ظل قيادته.
 
إنه في الحقيقة أشبه بكتاب ينطق بالحكمة الخالصة وضمير مشبع بالوطنية الصادقة وروح فياضة بكل معاني الحب والتفاني والإخلاص والمسؤولية.
 
خال من العقد الأيديولوجية والحساسيات السياسية، يعامل الجميع بمعيار واحد، حريص على الدولة حرصه على نفسه وأبعد من ذلك، ذو رؤية متبصرة وفهم عميق وخبرة مشهودة.
 
يعمل أكثر من طاقته، ويستقبل كل الهموم والمشكلات  الخاصة والعامة، لا يتنصل عن أي منها إن كانت بمقدوره أو في نطاق صلاحياته،  بابه مفتوح لكل اليمنيين نخبة وعوام، لا يرد أحدا عن بابه ولا يعرض عن حاجة أحد قصده، أقرب إلى الكل من الكل فنعم القائد هو، رجل المهمات الصعبة في هذه المرحلة العصيبة.