آباء عبد الملك

الثلاثاء, 16 يناير, 2018 10:42:00 صباحاً


في أغسطس ٢٠١٤، قبل سقوط صنعاء بشهر، قالت صحيفة حوثية معروفة إن الإمارات تقود عملية لإذابة الجليد بين الحوثيين والسعودية. قالت الصحيفة آنذاك، صحيفة الأولى، إن وفداً حوثياً وصل بالفعل إلى الإمارات. قبل شهر من نشر الصحيفة الحوثية للخبر كان الحوثيون قد احتلوا عمران، المحافظة التي تمثل سياجاً للعاصمة، ومثلوا بجثث قادة الجيش. سيطروا، أيضاً، على معسكرات مجهزة بترسانة واسعة من السلاح الثقيل. قال وزير دفاع هادي في تلك الأيام، في إفادته التي قدمها إلى اجتماع دوري للحكومة، إن اللواء ٣١٠ الذي حصل عليه الحوثيون كان واحداً من أعمدة القوات المسلحة اليمنية بالنظر إلى مستوى تسليحه. بدا على الرجل حزنٌ عميق وهو يشير إلى السلاح الثقيل، وكان فقدان ذلك السلاح هو ما أحزنه. بعد شهر من تدشين الإمارات لعملية رأب صدع بين السعودية والحوثيين، إذا صحت معلومات الصحيفة، سيطر الحوثيون على الدولة اليمنية.

الأب الأول:
التقيتُ رئيس الوزراء، باسندوه، في صيف ٢٠١٤ في صنعاء بدعوة منه. كان رأسي مليئاً بالأسئلة، ألقيتها عليه الواحد تلو الآخر. قال، منكسراً، إن حكومته تنتظر معونة سعودية منذ أول العام. في العام الفائت، قال، حصلت الحكومة على "نفط" بما يعادل ملياري دولار، الأمر الذي أتاح للحكومة المعدمة قدراً من الحركة. بدا أن السعودية قررت ضرب حصار على الحكومة اليمنية، حكومة الوفاق. في الوقت نفسه خرجت مظاهرات غاضبة في صنعاء أشعلت النيران في الشوارع وحملت صورة نجل صالح. شن الحوثي في خطاباته هجوماً هائلاً على الحكومة، ناعتاً إياها بحكومة المستبدين والمستكبرين والعملاء. تطابق إعلام صالح والحوثيين، وخنقت الأزمة الاقتصادية الحكومة على نحو متزايد وحاد. تركت السعودية الحكومة اليمنية تغرق في مشاكلها. ستكون المشكلة الاقتصادية هي حصان طروادة الذي دخل من خلاله الحوثيون.

بالتوازي كان اليمنيون يخوضون، بوضوح، حواراً وطنياً عاماً ويكتبون الدستور الجديد. كلما اقترب الحوار من نهايته كانت السعودية تضرب مزيداً من العُزلة على الحكومة. مقابل الأزمة المالية للحكومة لم يبد على الحوثيين أنهم يعانون من مشكلة مالية. في الأيام تلك نشرت صحيفة يمنية تقريراً عن جيش مكون من ٣٠ ألف مقاتل يملكه الحوثي ويدفع رواتبه الشهرية. 

في أغسطس من نفس العام، ٢٠١٤، ذهبت لجنة رئاسية رفيعة إلى صعدة والتقت عبدالملك الحوثي. كانت الحكومة اليمنية قبل ذلك بوقت قصير قد أعلنت حزمة من الإجرات الاقتصادية القاسية ورفعت الدعم جزئياً عن بعض المواد الضرورية. وهو إجراء اعتاد اليمنيون على تسميته ب"الجرعة الاقتصادية". بعد لقائها بالحوثي أصدرت اللجنة تقريراً مطولاً. في الجزء المعنون بـ "البدائل الاقتصادية التي عرضها عبد الملك الحوثي" تقول الفقرة الثالثة: استعداد الحوثيين لدفع العجز الذي سيترتب على إلغاء الجرعة.

علينا أن لا ننسى أن الحكومة اليمنية كانت تتحدث عن توفير ما يزيد عن نصف مليار دولار من وراء "الجرعة الاقتصادية"، وهو مبلغ مالي قال الحوثي إنه سيدفعه من أموال جماعته لسنوات. قبل أن تغادر اللجنة مدينة صعدة كان مدير مكتب الحوثي قد شن، في خطبة الجمعة، هجوماً عنيفاً ضد اللجنة الرئاسية. قال تقرير اللجنة الرئاسية إن "الفيشي" قال في خطبته إن الحوثيين ماضون في تنفيذ مطالب الشعب "مهما كلف الأمر". العرض المالي الذي قدمه عبد الملك الحوثي أراد من خلاله، فقط، إيصال رسالة تقول: لدينا الكثير من المال، هناك دول ثرية وسخية تقف إلى جوارنا. بعد أيام أنكر الحوثي، في خطابٍ، أن يكون قد قدم مثل ذلك العرض.

الأب الثاني:
في العام ٢٠١٠، كما نشرت صحيفة المصدر، طلب صالح من أحد أبرز القادة الحوثيين إلقاء محاضرات تنويرية في معسكرات الجيش اليمني. وفي ٢٠١٤ أعلن الحرس الجمهوري حياده في معركة سقوط صنعاء. أما في ٢٠١٦ فقد وهب صالح كتلته البرلمانية للحوثيين، فصوتت لصالح اعتبار الحوثيين حكومة شرعية ودستورية، وممثل وحيد للشعب اليمني. وفي العام ٢٠١٧ قال الزوكا، أمين عام حزب صالح، إن حزبه اتفق مع الحوثيين على تزويد جبهاتهم بأربعين ألف مقاتل. حصل الحوثيون على الحزب والجيش والبرلمان من صالح. قبل أن يقتل الحوثيون صالح كانوا قد أصبحوا، باعتراف صالح نفسه، حكومة دستورية. أما هم فقالوا إنهم قتلوه لأنه تمرد على حكومة منحها البرلمان الثقة، وعلى دولة قال صالح نفسه إنها التعبير الوحيد عن إرادة اليمنيين.
 
الأب الثالث:
تسابق هادي وصالح على كسب الرضا الحوثي. ومن الأعلى تسابقت السعودية وإيران على القُرب الحوثي. ثمة إشارات كثيرة تقول إن الحوثي حصل على الوفرة المالية من دولة ذات قدرة، وعلى السلاح والتدريب من دولة ذات قوة. تحرك الحوثي في غمرة احتفال دول السعودية/ الإمارات بنجاح الثورة المضادة في مصر وانهيار الديموقراطية الليبية التي جاءت بها الثورة. قدم الحوثي نفسه كثورة مضادة، وعرض جماعته للإيجار.
 
استأجر هادي الجماعة، وشوهد وزير دفاعه يعمل كسفير لديها. تسلل الحوثيون إلى صنعاء من جهتها الشمالية الغربية، عبر همدان. هناك شوهد وزير دفاع هادي يتمشى مع "الحاكم"، القائد العسكري للجماعة. شوهد قبل ذلك في مديريات عمران، بعد سقوط معسكراتها، بصحبة الرجل نفسه. التقرير الذي أذاعته قناة المسيرة، آنذاك، قال إن الحوثيين اصطحبوا وزير الدفاع ليطلعوه على اعتداءات ميلشيات الإصلاح التي تستخدم الدبابات والكاتيوشا. الجهة الوحيدة التي كانت تملك ذلك النوع من السلاح في تلك الجغرافيا هي وحدات الجيش.

في أغلب زحوفات الحوثيين حول صنعاء شوهد وزير دفاع هادي وهو يتمشى صحبة المحاربين الحوثيين في خطوط التماس. وبحسب أحد أعضاء المكتب السياسي للجماعة، العماد، فقد كان هادي يستدعيهم ليحرضهم ضد الإصلاح. الحوثيون، من جهتهم، كانوا يطلقون صفة "ميليشيات الإصلاح" على الجيش، معتقدين إنهم يسدون صنيعاً لهادي. 
أخبرني أحد وزراء حكومة باسندوه أن وزير دفاع هادي حذر الحكومة من إدراج كلمات قاسية في البيان الذي سيصدر كتعليق على سقوط عمران ومقتل قائد الجيش في المحافظة. بعد سقوط صنعاء انزعج العالم كله باستثناء البيان الصادر عن الرئاسة اليمنية. سخر البيان الرئاسي، الذي كتب بعناية فائقة، من مزاعم سقوط صنعاء، وكرر: إن صنعاء لم تسقط ولن تسقط. فعل الحوثيون بهادي، الأب الثالث، ما سيفعلونه بصالح، الأب الثاني، بعد ذلك. أما الأب الأول، الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد شاهد أولاداً شديدي العقوق لأول مرة في حياته. 

الأب الرابع:
في 28 يونيو، 2004، وصف بيان للقاء المشترك المواجهات التي حدثت بين الحوثيين والجيش في صعدة بـ"المناكفات السياسية"، ودعا إلى "التحقيق فيما جرى بين الطرفين". ستستمر هذه اللغة التي ابتكرها اللقاء المشترك، اللغة التي تتحدث عن "الطرفين"، حتى الآن. وفي العام 2009، أعلنت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، وهي صيغة موسعة عن اللقاء المشترك، انضمام جماعة الحوثيين إليها. كانت الحوثية، آنذاك، جماعة دينية مدججة بالسلاح لم تنتهِ بعد من حربها السادسة ضد الجيش. تجاهل اللقاء المشترك تلك الحقيقة أملاً منه في استخدام الجماعة كآلة للضغط على النظام. تدهورت الأمور سريعاً، ومثل غيرهم ركب اللقاء المشترك ظهر النمر.

خلال عامين أصدر اللقاء المشترك بيانات تتحدث عن "قضية صعدة"، فاقت بكثير عدد البيانات التي تتحدث عن انهيار الديموقراطية الهشة. كانت "قضية صعدة" مجرد تنويع لفظي يؤدي في الأخير إلى تنظيف سمعة الحوثيين بوصفهم جماعة سياسية تتعرض لبطش سلطوي. توغل الحوثي في الشقوق الإيديولوجية التي تفصل عناصر اللقاء المشترك عن بعضها، ووسع تلك الشقوق. كما فعل هادي والحوثي فقد تسابقت أحزاب اللقاء المشترك إلى "الطيرمانة" الحوثية، وأسرفت في مديح الجماعة، عارضة وداً غير مشروط. صباح اليوم التالي لسقوط صنعاء كان أحد أبرز الهاشميين الحوثيين رئيساً للقاء المشترك.
 
الأب الخامس:
عرضت قناة مسيرة، قبل سقوط صنعاء، تقريراً مصوراً لأبرز وجوه الحراك الجنوبي في ذكرى مقتل مؤسس الجماعة. تحدث قادة وناشطو الحراك عن "المؤسس" كمُلهم، وكبطل، وعن حروبه كنضال شريف. استخدم الحوثيون الحيلة الجنوبية ببراعة، وتوغلوا في نسيج تيار متعاظم بلا خبرة في السياسة اليمنية. بنى الحوثيون جسوراً متعددة المستويات مع الحراك الجنوبي، ورفعوا صور قاداته بوصفهم مخلصين، كما حدث مع "علي ناصر محمد". عندما صار بمقدور "ناصر" التواصل المباشر مع عبد الملك الحوثي تغيرت لغته، كما لو أنه قد أصبح كلي القدرة.

في الأشهر الأولى للحوار الوطني طالب فريق القضية الجنوبية باستبعاد ممثل الحوثيين من الفريق. لاحظ الجنوبيون أن انحيازه المتطرف للقضية الجنوبية شوش عليها من جهة، ودفعهم للارتياب في نواياه من جهة ثانية. تشابكت المصائر أول الأمر، واستمرت الحيلة الجنوبية في الجريان كأنها تتوغل في قالب من الزبدة. ليلة سقوط صنعاء كتب شطاره، أبرز القادة الجنوبيين، يزف البشرى لليمنيين. وبارك العطاس، تلفزيونياً، للحوثيين "ما حصلوا عليه في الشمال". أما الشهادة التي أدلى بها "بن بريك" بعد هزيمة الحوثيين في عدن فاحتوت على معلومات شديدة الأهمية. قال الرجل إن قيادات حراكية كثيرة وقفت ضد مواجهة الحوثيين في عدن بحجة إن الأخيرين سيفون بوعودهم. أثناء الحرب في الجنوب صدرت بيانات لقادة جنوبيين من الخارج تدين أطراف الحرب في عدن، الحوثيين والمقاومة، معيدة القول إنه صراع شمالي ـ شمالي، لا يخص الجنوب في شيء. 

الأب السادس..
كان الهاشميون هم الأب السادس للحوثيين، وهم أخلص الآباء على الإطلاق، وأكثرهم ورطة .

من صفحته على فيسبوك