تحديد خيارات المستقبل

الأحد, 19 نوفمبر, 2017 10:25:00 مساءً


إتمام الدراسة الثانوية والتفوق في نتيجتها ليس نهاية المطاف حتماً، بل هي إيذان ببدء مرحل أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها ، وهي مُحصلة وثمرة لها.
 
مرحلة التعليم الجامعي، وهي مرحلة التخصص، تحتاج ابتداء إلى أن يقف كل طالب مع نفسه وقفة جادة وفاحصة لتحديد التخصص وفق منهجية علمية تقوم على عدة أسس، اهمها: الرغبة ، والقدرة، الفرصة .
 
الرغبة لا بد أن تكون هي الأساس لاختيار التخصص ابتداءً، وفق هوايات الطالب وحبه لمجال علمي محدد، ثم تأتي الخطوة التالية، وهي القدرة على المضي في ذلك التخصص ، وهنا يجب استحضار القدرة العلمية والمالية في آن واحد، فقد يكون لدى الطالب الرغبة في دراسة التخصص لكن تعوزه القدرة العقلية أو المالية فيقف في منتصف الطريق ، ووقوفه الجاد الآن في تحديد خيارات المستقبل سيُجنّبه ذلك التوقف.
 
فإن كان  لدى الطالب الرغبة والقدرة فلا بد أن يدرس الفرصة فيما بعد التخرج، وأعني بالفرصة هنا إمكانية الحصول على عمل يناسب التخصص، فقد يختار الطالب تخصصاً يتعلق بالغابات مثلاً أو بعلم البحار وهو متحمس في خدمة بلده عند استكماله للدراسة، ولكن بلده لا يوجد فيها غابات ولا بحار فكأنما ضاعت سنين الدراسة دون فائدة، وربما لن يجد عملاً يسد رمقه .
 
في كل الأحوال يجب أن يكون الطالب قد حدد خياراته قبل ولوجه بوابة الجامعة، ولا بأس من استشارة أسرته أو من يثق فيه من الأصدقاء والمعلمين ، وتحديد أكثر من خيار والمفاضلة بينها لاختيار أقربها لتوجهه المستقبلي.
 
الحديث عن أهمية حسم الطالب لاختيار تخصصه الجامعي وفق المنهجية العلمية يجعله قادراً على التأثير في المستقبل ناهيك والحياة في تقدم مستمر، ويجب على مؤسسات المجتمع ابتداءً بالأسرة أن لا يفكروا بعقلية الماضي فيدفعوا الأبناء لاختيار تخصصات لن يكون لها قيمة في المستقبل بل يجب الدفع بهم نحو العلوم التي تتناسب مع زمانهم .
 
كثير من التقارير الأوروبية والأمريكية تتوقع بأنه وبحلول عام( ٢٠٣٠) سيتخلص العالم من ملايين الوظائف وتبالغ بعض التقارير لتجعل من اثنين مليار وظيفة عرضة للزوال، وهذا الأمر يعني أن التكنولوجيا ستحل محل الأيدي العاملة، وبأن العالم سيتجه في المستقبل نحو الجانب التقني اكثر من أي وقت مضى.
 
سيحل الرجل الآلي محل الكثير من الوظائف، كما أن العالم سيستبدل الطاقة الكهربائية بالطاقة النظيفة فلن يحتاج لملايين الوظائف المرتبطة بالكهرباء، ولعل كابلات الكهرباء ومحطات التوليد التقليدية ستختفي تدريجياً. كبريات شركات النقل في العالم سوف لن تحتاج إلى طواقم قيادة للطائرات والقطارات وحتى السيارات، وسيشهد العالم في المقابل طائرات بلا طيار.
 
كما أن محطات التلفزة لن تحتاج إلى جيش من المراسلين  وأمثالهم من طواقم المونتاج،  وكبريات الجامعات ستتخلص من كادرها الضخم لاعتمادها التعليم عن بُعد .
 
التجارة الإلكترونية ستنشط وستتغير موازين القوى الاقتصادية وعلى إثرها السياسية ، وتغيرات المناخ وحروب القرصنة وتقنيات المواجهات العسكرية كلها ستختلف.
 
لكل ما سبق فلا بد أن يتعلم أبناؤنا كيف يختارون تخصصاتهم بشكل يمكنهم من التفاعل مع العالم الذي سيعيشونه والمستقبل الذي ينتظرهم.
 
سوف يكون من الأنسب للطالب أن يتعلم بالإضافة إلى لغته لغتين أجنبيتين على الأقل، فتعلم اللغة الإنجليزية إلى جوار الصينية مثلاً أمر في غاية الأهمية وبالذات، والصين سيكون لها الريادة مستقبلاً بحسب اغلب التوقعات.
 
الغفلة عن هذا الأمر سيجعل من أبنائنا في المستقبل أُمّيين بدرجة جامعيين، كما أن دفع الآباء لأبنائهم بأن يسلكوا طرقاً لا تتناسب مع مستقبلهم سيكون كارثة كبرى وبالذات في عصر العولمة، ولعل من أصدق ما قيل:" علموا أبناءكم فقد ولدوا لزمان غير زمانكم".