من التقليدية إلى الواقعية الانتهازية

الأحد, 19 نوفمبر, 2017 05:27:00 مساءً


تعلمنا في درس النقد الأدبي أن الإنسان، الفرد والجماعة - على سبيل التعميم - لا بد أن يتبنى في حياته واحدة من ثلاث رؤى كبرى في النظر إلى العالم، هي الرؤية الكلاسيكية، والرؤية الرومانسية، والرؤية الواقعية. وكل رؤية من هذه الثلاث تمتاز بمجموعة خصائص، اذا غلبت على رؤية فرد أو جماعة نسبنا ذلك الفرد إو تلك الجماعة إليها. فنقول مثلا فلان صاحب رؤية رومانسية، والمجتمع الفلاني يتسم بالواقعية، والفترة الفلانية ذات طابع كلاسيكي.
 
وبالنظر إلى التجارب التاريخية تبين للنقاد أن الأمم تكتسب هذه الرؤى عبر آلية التطور، وفقا لعوامل التطور الاجتماعي المعروفة. بحيث تتبنى الأمم الخصائص الكلاسيكية التقليدية في الطور الاجتماعي الأول. ثم بسبب حدث نوعي كبير - يسمى الثورة غالباً - يحدث تحول اجتماعي من الطور الكلاسيكي إلى الطور الرومانسي. ثم يحدث أن تفشل الثورة في تحقيق أهدافها المعلنة، ويصل المجتمع إلى حالة انسداد، تعقبه ثورة أخرى يتحول المجتمع على إثرها إلى طور الواقعية.
 
وأبرز ما يميز كل رؤية عن أختها هو موقفها من الواقع. فالرؤية الكلاسيكية، التقليدية، ترى الواقع مناسباً للعيش، ولا تفكر في تغييره، بل تسعى إلى تثبيته كما هو. والفرد الكلاسيكي إذا فكر في التغيير فإنه لا يفكر في التغيير الجذري، بل في تحسين شروط حياته، أو شروط عبوديته، ضمن شروط الواقع التقليدي. وصاحب الرؤية الرومانسية يرفض القبول بالواقع، ويحلم بتغييره جذرياً، لكنه لا يسعى جدياً إلى تغييره. أما الرؤية الواقعية فصاحبها لا يقبل الواقع غير المثالي، ولا يتوقف عند الحلم بتغييره، بل يسعى عملياً إلى تغيير هذا الواقع.
 
ولكي تتضح كل رؤية من الرؤى السابقة بصورة أفضل دعنا نضرب هذا المثل التمثيلي:
لنفرض أننا عدنا بضع مئات من السنين إلى عصر الإقطاع الأوروبي فوجدنا أحد الأقنان الشباب عائداً إلى كوخه في المساء، حيث تنتظره زوجه، بعد يوم شاق من العمل في مزرعة سيده الإقطاعي. ثم ننظر كيف سيتصرف وفقا لهذه الرؤى الثلاث:
 
إذا كان صاحب رؤية كلاسيكية فسيبدو مسروراً وهو يخبر زوجه على العشاء أن السيد كان راضيا عنه اليوم، وقد وعده بتحسين وضعه. ويحلم أن تأتي نهاية العام وقد أصبح رئيساً للأقنان.
 
وإذا كان صاحب رؤية رومانسية فسيأتي ساخطاً من ظلم السيد له هذا النهار وكل نهار، وسيجلس مع زوجه على حافة نهر أو ساقية بجوار الكوخ على ضوء القمر وأصوات الضفادع، ثم يقول لها وهو شارد الذهن: تخيلي أننا قد أصبحنا سيدين إقطاعيين نملك الكثير من الأراضي والأقنان. وفي حال أفضل سيقول لها: لا بد لهذا الوضع من آخر، لا بد أن تقوم ثورة شعبية لتخليصنا من هذا الواقع البائس. وفي وقت غير متأخر من المساء سيذهب مع أحلامه إلى سرير النوم لكي يصحو باكراً للعمل في مزرعة السيد!.
 
أما إذا كان صاحب رؤية واقعية فإنه بعد أن يرتاح قليلا من عناء العمل سيمد يده في جيبه ويخرج عملة فضية ويناولها لزوجه قائلاً: هذا ما استطعت تدبيره هذا الاسبوع. ضعيه بجوار المبلغ السابق،  فمن المتوقع أن نوفر مبلغاً جيداً نهاية هذا العام يمكننا من شراء مزرعة صغيرة تخصنا.
 
يمكننا جعل هذه الرؤى بمجملها مقولة تفسيرية لتطور مجتمعاتنا العربية خلال المئة عام الماضية على الأقل. والحد الفاصل بين أطوارها هو الثورات الكبرى التي حدثت فيها.
فقد سادت الرؤية الكلاسيكية في الفترات التي ترسخت فيها سلطة العادات والتقاليد وانسدت أمام الفرد آفاق التغيير في ظل السلطات الملكية العتيقة. ومع هبوب رياح التغيير في المنطقة العربية، على إثر سقوط الدولة العثمانية وبروز فكرة القوميات، ثم بعد قيام الثورات العسكرية في منتصف القرن العشرين، جاءت الرؤية الرومانسية وتوطنت لبعض الوقت.
 
إلا أن فشل الفكرة القومية وفشل الحكومات العسكرية في تحقيق شعاراتها قد دفع المجتمعات إلى التخلص تدريجياً من الرؤية الرومانسية الحالمة، لتحل محلها الرؤية الواقعية بدرجاتها المختلفة، من الواقعية المستنيرة، إلى الواقعية البرجماتية، إلى الواقعية الانتهازية.
 
ومن مظاهر هذه الواقعية البرجماتية التخلي عن فكرة الوحدة القومية، وشيوع الدعوات الانفصالية في بعض الأقطار العربية اليوم. ومن مظاهرها المتطرفة التخلي عن الشعور بالانتماء القومي، والحديث عن المجتمع المفتوح، الذي لا يعترف بالحدود من أي نوع.
 
ويبدو أن الثورات المضادة للربيع العربي قد دفعت الإنسان العربي، ليس فقط إلى التخلي عن رواسب المنظور الرومانسي لديه، بل إلى التفكير في الخلاص الفردي، الذي يميل بطبيعته إلى الواقعية البرجماتية، أو البرجماتية الانتهازية. فالشاب الذي كان يفكر بتحسين مستوى حياته عبر تغيير مجتمعه إلى الأفضل، يتجه الآن إلى التفكير في النفاذ بجلده من الجحيم الذي يدعى الوطن.
 
ومما يلفت انتباهي هنا أن الإسلام ربما كان الثورة الوحيدة في التاريخ التي لم تتبن الرؤية الرومانسية في النظر إلى العالم. فلم تعد بجنة أرضية كما فعلت كل الثورات والتحولات تقريباً. بل كان الخطاب الإسلامي صريحاً مع الناس منذ البداية في حديثه عن العالم، قائلاً لهم إن الحياة الدنيا ليست دار سعادة بل دار كبد ونصب، ويستحيل فيها تحصيل العدل الكامل، وتفادي الألم. لكنه مع ذلك دعى إلى الإحسان بمعانيه المثالية. وتلك إحدى مظاهر واقعيته المستنيرة كما أسميها. فهو من ناحية لا يخدعك بوعد السعادة المستحيلة على الأرض، وهو من ناحية ثانية يشجعك على بلوغ درجة الإحسان في كل فعل أو تصور.
 
من صفحة الكاتب على "فيسبوك"