(اليمن) المعاناة الإنسانية وشئون الإغاثة.. الانحياز والابتزاز

الخميس, 16 نوفمبر, 2017 04:25:00 مساءً


ارتفعت الأصوات المتناولة للملف اليمني في الآونة الأخيرة بشكل لافت وملحوظ وركزت التصريحات و أحاديث المسؤولين الدوليين على استخدام الملف الإنساني وتداعياته الحرجة ومحاولة الدفع به كأساس للتعامل  مع الأزمة العامة العسكرية والسياسية.
 
منسق الشئون الانسانية في اليمن أطلق تحذيراً من نفاد الوقود في المحافظات التي لاتزال تحت سيطرة المليشيا وهو ما اعتبرته وزارة النفط اليمنية دليلاً على انحياز بعثة الأمم المتحدة العاملة في اليمن إلى جانب الانقلابيين في تصريح لمصدر مسئول في الوزارة لوكالة الأنباء اليمنية سبأ يؤكد تسبب مليشيات الانقلاب في أزمة الوقود.
 
وهي جولة جديدة خلال اليومين الماضيين من السجال غير المتكافئ والذي تعتمد فيه أطراف الانقلاب ومن يتداعى إلى صفها على ما يبدو أنه اخفاقات في ترتيب ملف العمل الانساني والخدمي والاغاثي من جانب السلطات الشرعية.
 
احتشاد الفاعلين الدوليين:
 تصريحات السفير الأمريكي لدى اليمن ماثير تولر عن الأزمة اليمنية وفي سياق حديثه عن دعم تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن اسماعيل ولد الشيخ وبالتزامن مع زيارة لوزير الخارجية الأمريكية إلى المنطقة أعلن تولر عن ثلاث أسس لحل أزمة اليمن لم تخل من القضية الانسانية:
1-         إيقاف العمليات العسكرية.
2-         عدم إعاقة إيصال المساعدات الانسانية.
3-         مرحلة انتقالية تضم الجميع.
 
ويلاحظ من حديث السفير الأمريكي هنا في أواخر شهر أكتوبر المنصرم تراجعاً في الموقف من الانقلاب مقارنةً بحديثه في شهر يوليو 2016عن مبادرة تسليم ميناء الحديدة لطرف ثالث حيث قال بصراحة:
"إن الحوثيين لا يزالون المعضلة المعطلة للحل ولا يمكن أن يتحقق الحل بإبقاء الميناء بيد طرف غير الحكومة".
 
 أما في تصريحه الأخير فقد خلط بين الملف العسكري والسياسي وجعل محور الحل ومرتكزاته هي المسألة الانسانية وما يتعلق بإيصال المساعدات وتجاهل الانقلاب وتداعياته وتسببه في كل ما يجري في البلد.
 
من جهةٍ أخرى  اتفق المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ مع السفير الأمريكي تولر فيما يتعلق بالملف الإنساني حيث قال في تصريحه إن هناك خطوات لحل الأزمة في اليمن تقوم على ثلاث ركائز وهي:
1-         إعادة العمل بوقف العمليات العدائية.
2-         تطبيق تدابير محددة لبناء الثقة من شأنها التخفيف من المعاناة الإنسانية.
3-         العودة إلى طاولة المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
 
تضمنت رؤية ولد الشيخ لخطوات الحل - كما عنونها – تركيزاً على المعاناة الانسانية وما يستلزمه مواجهتها.
غطاء أممي:
في الوقت ذاته طالب مارك لوكوك وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة بحل سياسي لأزمة اليمن من أجل إنهاء المعاناة "الرهيبة" في البلاد.
 
جاء ذلك في حديثه خلال مؤتمر صحفي عقده في مطار صنعاء الدولي السبت 28 أكتوبر قبيل مغادرته اليمن بعد زيارة استمرت خمسة أيام اطلع فيها على الوضع الانساني.
 
وقال لوكوك: "جئت إلى اليمن لأفهم بشكل أشمل الأزمة الانسانية المتدهورة في البلد، بما في ذلك أسرع تفشٍ لوباء الكوليرا شهده العالم على الإطلاق، وأكثر انعدام للأمن الغذائي في العالم" وفي تصوره لحل أزمة اليمن طالب بحل سياسي لرفع المعانة الرهيبة.
 
وقال المسؤول الأممي إنه "أجرى نقاشاتٍ صريحةٍ مع كل السلطات في عدن وفي صنعاء بشأن ضرورة قيام جميع الأطراف المعنية ذات العلاقة ببذل المزيد من الجهود لضمان وصول المساعدات الانسانية إلى جميع من يستحقونها".
 
الملاحظ في حديث المسؤول الأممي أنه نزع صفة الشرعية عن سلطات الرئيس هادي وحكومته وأطلق عليها اسم طرف ووجه اتهاماً ضمنياً لها أنها أحد طرفي التسبب في الكوارث الانسانية و يجب أن تبذل جهوداً لضمان وصول المساعدات.
 
كما أن زيارته جاءت متزامنة مع جولات المبعوث الأممي السياسي ولد الشيخ وتصريحات السفير الأمريكي ومثلت غطاءً تعزيزياً من المسؤول الأول عن الشئون الإنسانية في المنظمة الدولية لأجل إضفاء طابع إنساني ضاغط  يستدعي حلاً سياسياً وجعله مدخلاً لتفكيك مرجعيات الحل ( المرجعيات الثلاث) المتفق عليها محلياً وإقليمياً ودولياً.
 
لاسيما وقد كشف لوكوك أنه طلب من رئيس الوزراء د. أحمد بن دغر ضمان تحقيق تقدم بشأن دفع رواتب العاملين في القطاع الصحي والمعلمين وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية.
 
المنظمات الانسانية تدخل على خط العمل السياسي:
يؤكد ما ذهبنا إليه من وجود تركيز على الملف الانساني وإعطاؤه أهمية ذات أبعاد تنسحب على القضية اليمنية بكل تفاصيلها ما ورد في كلمة ممثلة برنامج الغذاء العالمي يوم الأحد 29/10/2017 في لقاء الاستجابة الانسانية الذي نظمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بشأن اليمن حيث قالت: " نتفق على أن الوضع في اليمن كارثي بعد عامين من الصراع والدمار، واليمن على هاوية المجاعة وهناك تفشي كبير للكوليرا وتزايد في وفيات الأطفال بنسبة %3 والجوع أصبح في مستويات عالية وتسببت الحرب في دمار البيئة والشبكات والخدمات الأساسية والوصول الإنساني محدود".
 
ثم أوضحت أنه "تم تنفيذ %53  من خطة الاستجابة خلال العام الجاري 2017 وهذه كارثة وعلى الرغم من اسهامات المتبرعين وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة و أوربا إلا أن الاحتياج لا يزال كبيراً – حد قولها –".وهو ما يراه المختصون ابتزازاً في نسق الضغوط على الأشقاء في التحالف العربي .
 
 حديث ممثلة برنامج الغذاء العالمي في اللقاء جعلت اللواء/ أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات في السعودية  و عبر موقف مسؤول يبدي انزعاجه من هذه الصورة القاتمة وهذا الأداء الهزيل في العمل الانساني والاغاثي واقتحام المنظمات الانسانية للعمل السياسي للابتزاز وتشتيت التركيز في معالجة المشكلة اليمنية واختتم اللقاء بمطالبته المنظمات الدولية بمراجعة إجراءاتها وآلية عملها في الميدان ودعا إلى عقد ورشة عمل أخرى تستمر لمدة أسبوع تشترك فيها كافة الفرق الميدانية لمناقشة المعوقات والخروج بتصورات للحلول إذ ليس من المعقول أن يكون الوضع سيئاً بعد بذل كل هذه الجهود الإغاثية وقال إن الأداء سيء لهذه المنظمات ولابد من الشفافية لمعالجة كافة الإشكالات.
 
الجدير بالإشارة إليه أن الجانب اليمني الرسمي حضر اللقاء ومثل اليمن رئيس اللجنة العليا للإغاثة الوزير عبد الرقيب فتح وألقى كلمةً في اللقاء لم يتطرق فيها إلى تقارير الأداء ولا نسب تحقيق الأهداف ولا وضع صورة ولا تصور واضح عن عمل اللجنة ورؤيتها ومعلوماتها.
 
وركزت كلمته على البرتوكوليات وكشف أن لديه تصور عن تقسيم اليمن إلى خمسة مراكز إغاثية في المرحلة القادمة فقط.
لقمة جائع تهزم دساتير الدنيا:
هذه المعطيات والأحداث والتصريحات وتركيزها على الوضع الإنساني وإخفاقات العمل الإغاثي وتصدير الحديث عن كوارث المجاعة والأوبئة في سياق الحديث عن الحل السياسي واستخدام الملف الإنساني كمفتاح لتفكيك الأزمة وتجاوز المرجعيات الثلاث ( المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني الشامل والقرار الأممي 2216) والتلاعب بالمسميات والمصطلحات والأوصاف عند ذكر الشرعية و  الانقلاب إضافةً إلى المساواة بين المجرم وصاحب الحق ووصفهم على أنهم أطراف أزمة وتحميلهم مسؤولية تدهور الأوضاع الانسانية بنفس القدر والمستوى.
 
كل ذلك يدل على أن إخفاقاً واضحاً وغياباً للرؤى والتصورات فتح هذه الثغرة  لتسهيل النفاذ منها للانقضاض على الشرعية.
 
هذا الملف الذي يستخدم حالياً لابتزاز التحالف العربي والسلطة الشرعية على حدٍ سواء.
 
ويبدو واضحاً أن الأزمة الإنسانية والوضع الكارثي يفوق كل التصورات والصعوبات كثيرة والإخفاقات أسهمت في تمدد الجوع والمرض وتوسع الاحتياج الإنساني.
 
فهل سيكون هذا المسار -الإنساني والإغاثي- مؤدياً لهزيمة التحالف العربي والسلطة الشرعية أو هز شباك موقفها المستقوي بالمشروعيات الوطنية والاقليمية والدولية بلقمة جائع أو دواء مريض؟