القهوة.. بين الفقه و الأدب

الخميس, 09 نوفمبر, 2017 02:22:00 صباحاً


منهم من ذمّها واعتبرها شيئاً مفسداً محرماً شرعاً لايليق بالمسلم أن يشربها. ومنهم من تغزّلَ بها وبرائحتها ولونها...


لدرجة أنّه قد تستوقفك مقطوعات شعرية بديعة، يُخيَّل إليك أنك أمام أنثى جميلة التفاصيل، شهيةَ الجسد، بهية القَسَمَات...

  وأكثر من ذلك مَنْ كتب في شأنها مؤلفات كاملة كما فعل "العيدروس" حين ألّف كتاباً أسماه "إيناسُ الصفوة بأنفاس القهوة"!!

  نعم، ابتسم! فأنا أتحدثُ عن القهوة وليس عن النبيذ، ولا عن الصناديق المصندقة من الويسكي، والفودكا، والشمبانيا، ولا عن أضراب ذلك مما يألفه سادتنا وكبراؤنا، وولاة أمورنا.

  أتحدثُ عن تلك المليحة الساخنة، التي اكتسبت زخمها الجماهيري في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي. بعد أن كان فنجان القهوة خاصاً بأهل اليمن تماماً مثلما هو حال القات في أيامنا.

  وظلت كذلك إلى حين بسط بنو عثمان (الخلافة العثمانية) سلطانهم في البلاد العربية طولاً وعرضاً. آنئذٍ بدأت القهوة تنتشر انتشار زجاجة الكوكاكولا!!

  وقد يستغرب بعضنا حين يعلم أن فئاماً من العلماء والفقهاء كانوا يحرمونها, بل ويرون أن شُرب فنجانٍ من القهوة لايقل إثماً عن شُرب مثله من الخمر. تماماً مثلما يقول بعضهم اليوم إن مضغ بضع وريقات من القات لايقل إثماً عن مضغ نبتة خشخاش أو القنّب.

  يومئذٍ كان بعضهم يقول إنَّ القهوةَ خمرةُ اليمني التي تفسده وتسكره، تماماً كما يُقال اليوم إن القاتَ نبتةُ اليمني التي تُبَلِّده وتُخَدَره..

  في ذلك التاريخ  كان لا يُذكرُ البن والقهوة إلا ويتناهى إلى ذهنكَ بلاد اليمن، كما لا يُذكر القات اليوم في مقامٍ إلاّ ويتناهى إلى ذهنك ذات البلاد "المخدرة".

  وبينما كان الصليبيون يتربصون ببعض بلاد الإسلام, كان بعض فقهائنا مشعولاً بمسألة تحريم شرب القهوة!!

  ومن اللطائف التي تجعلك تضحك ملء شدقيك وأنت تقرأ سجالات فقهاء وشعراء تلك الحقبة التي تشظت أراءهم بين مُحَرِّمٍ ومُتَجَوِز، سيما حين ينبري بعضُ "الإنتلجنسيا" من أهل اليمن للمنافحة عن مشروبهم الأصيل. كما قال بعضهم رداً على فتوى ابن عبد الحق:
  أهل مصرَ قد تعدوا
  والبلا مـــنهم تأتى
  .
  حرَّموا القهوة جهلاً
  فحووا ذُلاً ومقتـــــا
  .
  إن سألت النصَ قالوا
  ابن عبد الحق أفتى
  لكن القهوة استمرت في فتوحاتها العالمية غير مبالية بفتوى ابن عبد الحق وغيره، وأصبح الحديث عن حرمتها شيئاً من السفه الذي لاتهضمه عقولُ أولي الألباب. فاتحةً الباب على مصراعيه أمام جدلية جديدة هي ظاهرة تعاطي القات. 
  فينبري من يقول عنه انه سكرٌ أشدّ بليةً من الخمر، وعاقبة آكله الإملاق والخسران.

  وفي مقابل هذا قد تعْجَب أكثر حين تجد أن طائفة من الفقهاء و"الإنتلجنسيا" يرونه زاد الصالحين الذي يقوي المؤمن على الطاعة. فهو بالنسبة لهم بمثابة "الإكسترا باور" الذي يمنحهم الطاقة الروحية والبدنية في الإندفاع لطاعة المعبود. وشرط ذلك_حسب قولهم_ اسحتضار النية واحتساب الأجر ليحصل الخير والفائد!! وحول هذا المعنى يقول "العجيلي":
  ولكن اخي لاينتج القات إن خلا
  عن النية العظمى فإياك تُهملُ
  .
  فاحرص على القات الشريف بحبه
  وقارنه بالنيات إن أنت تأكــــــــــــلُ
  ومثل ذلك قول شيخ الطريقة "أحمد بن علوان" الذي يرى في تلك الوريقات بهاء الزبرجد الذي خطّ عليه الخالق شيئاً من أسرار عظمته وإبداعه:
  صَفَـتْ وطـــابتْ بأكـــلِ القـَاتِ أوقاتــِـي
  وأشــــرقـتْ مــن سـناهُ نـورُ مشــكاتـــِي 
  .
  زَبَـرجَــدٌ مــن غصـــونٍ طــــابَ مَآكلُــها
  مــــــن الفــواكه ومن كُــــــــلِّ الحــلاواتِ
.
  أَمَا ترى قلــم الرحمــــــــن خَـــطَّ علـــى 
  أوراقـــــــــهِ مثلـمـا رَســـمُ الجـــلاَلاَتِ ؟!

  بعد زمنٍ من الآن:

  _ هل سينال القاتُ شيئاً من المجد الذي نالته القهوة؟!

  _هل سيعبرُ القاتُ الجغرافيا, ويُزرعُ في سهولِ قارةٍ أخرى؟!

  _أم هل سيغدو اليمنُ بلا قات؟!



خاص بــ"مسند للأنباء"