غموض لا عمى

الاربعاء, 18 أكتوبر, 2017 05:33:00 مساءً


إذا كانت قيمة الشعر الفنية في غموضه، وعدم الوصول إلى معناه إلا بعد مكابدة ومعالجة، فإن هذا الغموض لا يجب أن يصل إلى درجة التعمية وانغلاق المعنى تمامًا، إن تصرفًا من الشاعر كهذا هو تصرف غريب وعجز واضح. وعبثًا يحاول بعض الشعراء أن يقنعونا أنهم إنما يتعمدون ذلك تعمدًا، حتى إن بعضهم لا يعترف بعلامات الترقيم؛ إمعانًا في خفاء المعنى وإسدال حجب كثيفة عليه حتى يصير عمًى. ويعدون ذلك إبداعًا وقدرة على التلاعب باللغة وتفجيرًا لطاقات جديدة فيها، ولا أدري كيف يكون خلق دلالات جديدة في اللغة من دون تواضع مجتمعي واتفاق. إن أمرا كهذا يشبه الحراثة في الهواء أو حديث رجل من الصين يتحدث لرجل عربي لا يعرف الصينية.
 
وقد عاب عبد القاهر الجرجاني على بعض الشعراء في زمانه (القرن الخامس الهجري) طرقهم في التعبير، أولئك الذين يتكلفون البديع حتى يضيعوا المعنى فلا قدرة للقارئ على العثور عليه مهما بذل ومهما كابد. يقول: "وقد تجد في كلام المتأخرين الآنَ كلاماً حَمَل صاحبَه فرطُ شَغَفِه بأمورٍ ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنَّه يتكلم ليُفهِم، ويقول ليُبين، ويُخيَّل إليه أنه إذا جَمَعَ بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عَنَاهُ في عمياء، وأنْ يُوقع السامعَ من طَلَبه في خَبْطِ عَشْوَاءِ، وربَّمَا طَمَسَ بكثرة ما يتكلَّفه على المعنى وأفسده، كمن ثقَّل العروسَ بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكرُوهٌ في نفسها".
 
والحق، أن الغموض الذي لا يصل إلى درجة التعمية مما يحمد للكاتب وليس ذلك حصرًا على الشعر، فإن أي قول فني جميل يمتعنا بقدر ما فيه من غموض لا يمكن الوصول إلى كنهه ودهاليزه إلا بعد إمعان التفكير والجري وراء شفراته.
 
"ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نَيله أحلَى، وبالمزِيَّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضَنَّ وأَشْغَف، ولذلك ضُرب المثل لكل ما لَطُف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي".
 
وليس أحد يجادل في أن اللفظ المناسب للمعنى والصورة المبتكرة والتركيب الجيد والمفارقة الدالة واللطيفة والأثر الجميل مما يكسب المقال رونقه وقيمته ونجاح الكاتب مرهون بقدرته على إنتاج أو تفجير طاقات جديدة للغة من داخل اللغة ذاتها شرط ألا يصل به هذا الأمر إلى حد التعمية والإبهام على المتلقي.
 
إن اللفظ وحده لا يوصف بالحسن أو القبح بل يكتسب، ليس معناه فحسب، بل قيمته الفنية من خلال السياق الذي يرد فيه، حتى إن بعض الألفاظ التي توصف بعدم الفصاحة مفردة لأي سبب تصير فصيحة في سياق ما لدرجة أنه لا يصلح غيرها فيه.
 
لقد تحدث علماء البيان كثيرًا في هذا السياق، فتحدثوا عن الألفاظ المتمكنة فقالوا:  "لفظٌ متمكّنٌ"، يُريدون أنه بموافقةِ معناهُ لمعنى ما يليهِ كالشَّيءِ الحاصلِ في مكانٍ صالحٍ يطمئنُّ فيه" والألفاظ القلقة النابية"، فقالوا: "ولفظٌ قلِقٌ نابٍ"، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه إلى سائرِ ما يجيءُ في صفةِ اللفظِ".
 
وقد وازن ابن الأثير بين كلمات جاءت في سياقات معينة في مكانها المناسب وجاءت في سياقات أخرى غير مناسبة، من ذلك لفظ (تؤذي/ يؤذي)، ففي قول المتنبي:
تلذُّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذُّ له الغرام
 
يلاحظ أن لفظ تؤذي غير مناسبة في هذا السياق، ولكنها وقعت في مكانها الملائم في قوله تعالى: " إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ"، يقول: "هذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن, فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها, وحسن موقعها في تركيب الآية... وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام, فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: "إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ" وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: "تلذ له المروءة وهي تؤذي" ثم قال: "ومن يعشق يلذ له الغرام" فجاء بكلام مستأنف.
 
وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأُضِيف إليها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي، صلى الله عليه وسلم، فجاءه جبريل -عليه السلام- ورقاه، فقال: "باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك".
 
أكثر من ذلك أن الكلمة قد تكون غير فصيحة وهي مفردة، غير أنها إذا وردت في سياقها الملائم لا يصلح بدلًا عنها غيرها، إن العبرة بقدرة اللفظ على تصوير المعنى المراد، فلفظ مثل "مستشزرات" قد يكون بشعًا ولكنه في مثل قول امرئ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل
 
جاء في ذروة الفصاحة والتصوير، وذلك بالنظر إلى المعنى الذي أراد الشاعر أن يصوره لنا فثمة لفظ وثمة معنى وثمة صورة للمعنى، وهذا الأخير أهمله من حكم على "مستشزرات" في هذا البيت بأنه غير فصيح، فالشاعر أراد أن يصور كثافة شعر حبيبته وأن المداري (يشبه المشط) يضيع في شعرها لغزارته وكثافته، فبعضه مثنى ومنعطف بعضه فوق بعض وبعضه مرسل على حاله.. ولا يوجد لفظ يصور، ولا أقول يدل، هذا المعنى مثل لفظة مستشزرات فحرف الشين وما فيه من انتشار الهواء وامتلاء الفم به حين النطق، يشبه إلى حد كبير انتشار الشعر، وتشعيثه، وذهابه إلى هناك وهناك. وأصل الشزر كما يقول ابن الأنباري: الفتل على غير الجهة.
 
فأراد أن خصلات شعرها مفتولة على غير الجهة من كثرتها. ولا غرو في ذلك فإن بعض ألفاظ القرآن ثقيل على اللسان إذا قرئت منفردة ولكن القرآن يوردها في غاية الفصاحة في موضعها الملائم لها، فلفظ مثل: "اثاقلتم" ثقيلة منفردة، ولكنها في مثل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ"، إن في لفظ ثاقلتم هنا طنًّا على الأقل من الأثقال كما يقول سيد قطب، ولو أنه قال تثاقلتم لخف جرْسها وضاع إيقاعها؛ ذلك أن الآية تحكي عن بعض المتقاعسين الجبناء عن القيام بالمهمات الشاقة كالجهاد في سبيله. وإذن لا يكفي بعض الألفاظ أن تعبر عن معانيها بل لا بد من تصويرها.
 
والكاتب الجيد هو من لا يعطيك الفكرة إلا بعد مكابدة منك للوصول إليها، وهو الذي يجدد في المعاني ويخترع الصور، ويستعمل كل لفظ في مكانه المناسب.. إنه ليس ذلك الذي يعمي عليك المعنى تمامًا فذلك عجز بين.