غواية الكتابة

الاربعاء, 18 أكتوبر, 2017 04:31:00 مساءً


تبدأ الكتابة - أول ما تبدأ - بالهواية ثم تمر بمراحل من الممارسة والتشذيب والتجويد حتى تصل بصاحبها إلى شَرَكِ الغواية فإذا وصل إلى هذا المستوى اشتق لنفسه أخاديد من الجنون وميادين للحرب يسل فيها الكلمات أمام كل شيء حتى أمام الريح؛ إنه يمارس نوعا من الجنون أحيانا.
 
والكتابة موهبة - في أغلب الأحيان - على أنها تحتاج إلى الصقل والمران باستمرار، وقد يتبدى للكاتب نماذج قديمة لممارساته الكتابية، يضع فيها كفه على فمه ضاحكًا من ذاته وعقله أو حتى مستهزئا.
 
يمتلك الكاتب الممتاز ما لا يمتلكه الشاعر فهذا الأخير مقيد بقيود الوزن والقافية والموازنات الموسيقية الأخرى، وربما قيد المعنى الذي عليه أحيانا أن يزويه في بيت وحيد بينما الكاتب يمارس حريته في محراب الكلمة، يسترسل ما شاءت له العاطفة والعاطفة والعاطفة  فقط وقد يزاوج بين العاطفة والعقل، أو يرجح واحدة على الأخرى، والمهم أن العاطفة تظل حية، طالما هو يبغي التأثير... وفي الفكرة وضع أبو هلال الصابئ رسالة في الفرق بين الشاعر والكاتب ومع اعترافه بأن طريق الإجادة بين الشعر والنثر تختلفان فإنه مال إلى تفضيل الأخير..
 
إن أفخر الترسل - كما يقول - "هو ما وضح معناه وأعطاك غرضه في أول وهلة سماعه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه، وغوص منك عليه".
 
ولأجل هذا لم تجتمع موهبة إجادة الشعر والكتابة في أحد "فشرقت إلى هذه فرقة وغربت إلى ذلك أخرى، ومال كل من الجميع إلى الجانب الموافق إلى طبعه".
ومع أن هذا حكم نسبي فإنه لا ينافي الحكم العام ولكل قاعدة شواذها واستثناءاتها.
 
غير أن الكتابة قيمتها في الوضوح وأما الشعر فقيمته الفنية في الغموض، فهذا الأخير "بني على حدود مقررة، وأوزان مقدرة، وفصل أبياتا كل واحد منها قائم بذاته...، فاعتمد أن يلطف ويدق، ليصير المفضي إليه والمطل عليه بمنزلة الفائز بذخيرة خافية استثارها..." أما النثر فـ "مبني على مخالفة الطريق ومعاكستها، إذ كان حاملًا واحدًا لا يتجزأ، ولا يفصل إلا فصولًا طوالًا".
 
إن العاطفة ليست حكرًا على الشعراء - وتلك حقيقة - لا يجادل فيها بشر، فالكاتب الناثر يحس ما يحس به الشاعر، ويتألم ويفرح ويحزن كما الشاعر، وثمة نماذج كتابية نثرية مغرية فنيًّا وعاطفيًّا وقد لا تستطيع إكمالها لفرط ما فيها من حزن وألم وبكاء. إن الصدق في الأحاسيس هو معيار القول الجميل ولا يهم بعد ذلك القالب الفني الذي تضعه فيه.
 
والسؤال المشروع هنا: لم لم يعتن النقاد العرب بالنثر الكتابي، كما اعتنوا بالشعر؟! والجواب على ذلك لا يمكن الإحاطة به في مثل هذه المقالة العجلى. ولعل زكي مبارك قد أشار إلى ذلك في النثر الفني في القرن الرابع الهجري.
 
على أن النثر أنواع أيضًا، فثمة النثر العلمي كذلك الذي تكتب به العلوم المختلفة ولا شأن لنا به فيما قصدناه هنا، وهناك النثر الفني الذي يروم إلى التأثير في المتلقي، وثمة نوع جديد ظهر مع ظهور الصحافة سماه البعض بالنثر العملي كهذا المستعمل في الصحافة، وهو نثر لا يجيده كل أحد، إنه موهبة أيضًا. فيه ما في العلم من حجة وبرهان وفيه ما في الأدب من متعة وحرارة.