الإسلاميون... وتحدي إدارة التحول الديمقراطي

الجمعة, 15 سبتمبر, 2017 04:56:00 مساءً


دورة التاريخ لا يمكن ثنيها؛ وإرادة الشعوب لا يمكن أن تقهر؛ وحركة الوعي السياسي تتخلق بفعل تجارب قد تكون في منتهى القسوة .  


 فمدلول مصطلح السياسة التي هي فن الممكن يقتضي الاقدام على مراجعات مؤلمة وشجاعة وعميقة ولو على حساب المسلمات الفكرية والايدلوجية من أجل الحفاظ على نسيج المجتمع من التهتك والدولة من الانهيار. تلك هي الفلسفة العميقة التي جمعت شركاء الترويكا التونسية التي أدارت الفترة الانتقالية بحنكة وذكاء مستعينة برصيده الفكري الاخلاقي الغير مثقل بتراكمات الماضي كما هو الحالة في بقية دول الربيع العربي والتي كان الوضع فيها شائكا إلى درجة كبيرة لعوامل متداخلة منها ما يعود لطبيعة الانظمة والبعض الاخر لطبيعة الاحزاب المفتقرة للرؤى والفاعلية ورح المبادرة واستشراف المستقبل وحسن التعاطي مع المشهد الثوري العام؛ فقد تحقق للشعب التونسي بفضل الترويكا تحولا ديمقراطيا مبني على نهج التوافق لا المغالبة وكانت هناك تضحيات كبيرة وتنازلات من كل الأطراف من اجل العبور بتونس إلى بر الأمان والحفاض على كيان الدولة من التهشم والمجتمع من السقوط في موجات العنف والارهاب..



خلافا للوضع في مصر الذي يتسم بحالة من الركود والجمود الفكري وغياب الخبرة لدى القوى السياسية المتصدرة للمشهد الثوري إضافة لقوة المؤامرة وحساسية الموقع الجغرافي والسياسي لمصر..     
  لكن ما نستخلصه هنا من هذه الدروس القاسية والمرة التي تمر بها ثورات الربيع العربي هو أن لكل ثورة ثورة مضادة وتأتي بشاعة الثورة المضادة ومدى همجيتها المفرطة من مدى سطحية وسذاجة القوى التي لا تتقن فن السياسة فتقع فريسة سهلة في فخ تسير إليه دون وعي وإدراك في كثير من الاحيان أو بثقة العابد الزاهد الذي لا يقدر عواقب الامور ولم يخبر دهاليز السياسة.     
  ففي الحال المصرية على سبيل المثال نجد مثالا صارخا لتلك الحالة الغريبة والفجة التي تتسم بالروح الفرعونية المتعالية والتي روجت للعالم أكبر كذبة في التاريخ أو بالأصح ثلاث كذبات كبرى الأولى نزاهة القضاء والثانية وطنية الجيش والثالثة إرهاب الإخوان، فلو كان القضاء نزيها ما براء مبارك الذي حكم ثلاثين سنة وحكم بإعدام مرسي الذي حكم سنة واحدة، والجيش لو كان وطنيا ما قتل المصريين واستباح أعراضهم ولو كان الإخوان إرهابيين ما ذبحوا كالنعاج.     
  ما يحصل في مصر هو من أبشع الانقلابات العسكرية التي -إن صح التعبير- تسبب به الأغبياء ودفع ثمنه الأبرياء. فالسيسي الذي كان يرى فيه مرسي أنه رجل من ذهب يعد رمزا للمكر والخبث في المقابل كان مرسي في يتعامل مع الاحداث السطحية و أمور الحكم والدولة بعقلية الدعوة حسب توصيف الدكتور سيف الدين عبدالفتاح والذي كان مستشارا للرئيس مرسي حينها وقدم استقالته اعتراضا على طريقة مرسي في الحكم.     
  وقد سمعنا الكثير ممن ينادي الاخوان بضرورة تجنيب البلاد مخاطر الانزلاق الذي سيفقد الثورة اهدافها ويدخل المجتمع في موجة عنف تودي إلى خمول ويأس من التغيير السلمي الذي قد يدفع البعض للعنف وهذا ما تتمناه القوى التي لا تريد للربيع العربي أن ينجح في المنطقة وهذا ما حذر منه الدكتور فهمي هويدي في برنامج “على مسؤوليتي” على الجزيرة مباشر فقد كان يدعو مرسي قبل الانقلاب بحوالي خمسة أشهر لانتخابات رئاسية مبكرة وتقديم تنازل كما فعلت حركة النهضة في تونس ن أجل استعادة لحمة المجتمع واستمرار مسار الثورة لكن مشكلة الذهنية الاخوانية المتصلبة أنها تعجز عن اقتناص فرص المناورة السياسية نظرا لطبيعة التركيبة الفكرية التي تتسم بنوع من القطيعة مع المجتمع المدني والإعلام؛ وكذا الافتقاد للخبرة في سبر أغوار السياسة التي لها أدواتها ورجالها المختلفين عن رجال الدعوة والتربية والعمل الخيري والاتحادات المهنية والطلابية.     

  هذه الخطوة قام حزب العدالة والتنمية في تركيا حينما شعر بتململ ونزق المعارضة التي كانت تحيك له سيناريوا السقوط فإذا بأردغان يفاجئ الجميع ويدعو لانتخابات مبكرة وكان ذلك في 2004 بل وتجنب الحزب الاعتراض على قوانين كانت حينها تمثل تعزيزا للحرية الشخصية وتعد مقدمة لدخول الاتحاد الاوربي واحراج للمعارضة وإلزامها بالقبول بالمنظومة القانونية التي تعزز الديمقراطية وتحاصر أي رغبة في الانقلاب بحجة حراسة النظام العلماني مع أن هذه القوانين في حسابات الراديكالية الاسلامية تعد من الكفر والزندقة وقد سمعت من كفر أردوغان لأن حزبه وافق على تلك القوانين.     


  ويلاحظ هنا مشكلة الإسلاميين الذين يتصلبون أحيانا في قضايا تؤدي إلى سقوطهم وسقوط المجتمع في وَحْل الفوضى وبالتالي تنهار الدولة ويستغل ذلك المتربصون والذين لا يمكن أن يقبلوا بأي تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة..     


  لو أن الاسلاميين يمتلكون فقه السياسة القائم على تغليب مصلحة المجتمع وترك ما يتعلق بالعقيدة والدين لرغبة الناس على اعتبار أن الدين حالة خلاص فردي لا علاقة للدولة في التدخل في حياة الناس الشخصية بل هي ملزمة بتوفير متطلبات العيش الكريم وتعزيز الحرية والديمقراطية ، وأنه لا علاقة مطلقا للدولة بتدين المجتمع من عدمه ولا يجوز أن يكون من مهام الدولة مراقبة الناس وفرض نمط معين من التدين أو مصادرة حق المجتمع من ممارسة شعائره وطقوسه الدينية.     

    هذا الفقه استلهمته حركة النهضة وتنازلت عن استحقاق ديمقراطي وتقبل بالتخلي عن الحكومة حينما شعرت أنها ستتعرض لخطر الاجتثاث، والثورة ستختطف، والمجتمع سيتفكك، والدولة ستنهار.. نحن بحاجة لفقه سياسي يجعل من المراجعات الفكرية وتقدير المواقف قضية سياسية فحسب يتم التعامل معها بمعطيات المصلحة العامة وليس النص الديني المقدس أو الجمود على الهيكلية التنظيمية والإدارية الفاقدة لروح المرونة والمناورة السياسية..

    نذكر هنا بموقف هارون عليه السلام وترك دعوة الناس للعودة للتوحيد بعد انحرافهم وعبادتهم للعجل وذلك لأنه أدرك أن ذلك سيودي إلى انقسام المجتمع وحدوث فتنة داخلية تفتت بني إسرائيل.  

  وهذا للأسف ما تعجز عنه الجماعات التي وصلت للحكم دون خبرة مسبقة ولم يتح لها فرص المشاركة وحينما حصلت على فرصة ابتلعت طعم الديمقراطية مبكرا فسقطت دون إدراك ان هناك من دفع بها لابتلاع ذلك الطعم.. ولا ننسى هنا التذكير بالدور الذي لعبته السفيرة الأمريكية “ابريل جلاسي” التي كان له دور واضح في توريط صدام حسين في الكويت؛ وكذلك لعبت نفس الدور السفيرة الامريكية في القاهرة “آن باترسون” التي كانت في باكستان ونقلت إلى مصر مباشرة بعد الثورة لتثبيت التجربة الباكستانية في مصر.

    وتعتبر “آن باترسون” هي المسؤولة عن تفجير قضية التمويل الأجنبي لحركات سياسية ومنظمات حقوقية بمصر حين كشفت “باترسون” بكل وضوح أمام مجلس الشيوخ الأمريكي في جلسة عقدت في يونيو 2011 أن واشنطن أنفقت 40 مليون دولار لدعم الديمقراطية في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011.  

  ويرى الخبراء أن الإدارة الأميركية اختارت “باترسون” نظراً لقدرتها الفائقة على التعامل مع التيارات الإسلامية، وترويضها بما يخدم مصالح أميركا، حيث إنها لديها خبرة واسعة في هذا المجال بسبب عملها في باكستان لسنوات طويلة، ولها دور واضح في الحرب ضد القاعدة وطالبان سواء في أفغانستان أو باكستان.  
  فقد كانت تتردد باستمرار على مكتب الارشاد التابع للإخوان وكانت لا تنسى الاشادة بالتحول الديمقراطي في مصر ودفعت بالإخوان للمشاركة في الانتخابات الرئاسية بعد ما شعروا بالخطر من حل البرلمان فلم يجد الاخوان فرصة للعودة خطوات إلى الوراء للتخلص من الورطة التي وقعوا فيها بل وصلوا المشي في طريق السقوط الاجباري إن صح التعبير.
 
  لكن المحصلة النهائية أن عمر الانقلابات لا تدوم وأن الشعوب تأخذ دروس قاسية أحيانا لكنها لا تموت فيها أرادة الحرية؛ وأن التيارات التي تقفز على الواقعية السياسية تدفع ثمنا باهضا ثم بعد ذلك تتحول إما إلى جماعات إرهابية وتمارس ردة فعل قاسية، أو تكتسب خبرة سياسية تمكنها من العودة بقوة للمشهد السياسي كما حصل في تركيا وامريكا اللاتينية.

    ومع كل تلك الانكسارات لا يمكن أن يكتب مطلقا لأي ثورة مضادة النجاح ولنا مثال وضح في أمريكا اللاتينية والتي كان الانقلابيون يرمون المعارضين لهم من طائرات الهيلوكوبتر وبعد ثلاثين عاما رأينا قيادات تلك الانقلابات في السجون وأمام المحاكم. 

    خاص مُسند للأنباء