وداعا يا آخر الكبار.

الأحد, 06 أغسطس, 2017 04:25:00 مساءً


  هكذا، وعلى هذا النحو، يتخطف الموت الناس، وينقلهم رغما عنا إلى عالمهم الجديد، حتى وإن كان عالم الأحياء بأمس الحاجة إليهم.

  وهو، إذ يفعل ذلك، فإنه وعساكره يتفنن في الإيقاع بضحاياه ويسلك طرقا مختلفة، لا يلوي على شيء غير ما اختار، ثم يقبع هناك بعيدا يتأمل مشهد الجنائز الكبير..
  هذا الأسبوع غيب الموت عنا أستاذ الرياضيات الشهير في مدينة تعز أنور الأثوري وهذه المرة أرسل أحد عساكره، إنه القتل، في أحد أسواق المدينة الصابرة.

  عمل أنور مدرسا لمادة الرياضيات في منطقته الأثاور، إحدى عزل مديرية حيفان أقصى جنوب محافظة تعز، قبل أن ينتقل إلى قلب المدينة مدرسا للرياضيات في ثانويتها الكبرى.

  عرف أنور بحبه لتخصصه لدرجة أنه يخيل لمن يعرفه عن قرب أن ثمة سرا خفيا جعله يمنح هذه المادة كل هذا العشق وكل هذا الاحتفال. إلى ذلك عرف أنور بنشاطه وتفانيه في عمله، وبالنسبة لمدرس مثله، كان يفرح كثيرا لدى مصادفته طالبا يحب تعلم الرياضيات حتى لقد كان يبحث عنهم كما لو كان يبحث عن شيء ذي بال افتقده فإذا عثر عليه اطمأن وسكنت نفسه، هكذا عرفته منذ كنت طالبا لديه في مدرسة القرية، وليس سرا القول ولا غريبا إنه ما انفك عن هذه الصفة إلى أن تخطفته عساكر الموت.

  قبل نحو أربع سنوات أو تزيد التقيته في إحدى بوفيهات المدينة، وقد باعد بيننا العهد كثيرا، كانت مرحلة نهاية التسعينيات وبداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين كافية لتصنع بيننا أردية كثيفة من النسيان. كنت في كرسي آخر حين طرق صوته المتفرد أذني وهو يتحدث مع شاب أمامه يناهز الثماني عشرة سنة، كان الحديث عبارة عن نصائح تتعلق بالدراسة والمذاكرة، ولحظة ملامسة صوته لسمعي، قلت في نفسي هذا صوت غير غريب علي، ولم أكن بحاجة إلى كبير عناء للتعرف إلى صاحبه، إنه صوت أستاذي أنور، أجل هو هو بشحمه ولحمه.. والشاب الذي يتحدث معه، ابنه مازن، عرفت ذلك بعد قليل، أستاذ أنور! نعم، حياك الله، ما عرفتك! قلت له حاول، وبعد لأي عرفني. في حالات كهذه يصعب على الأستاذ أن يتعرف إلى طلبته جميعا بعد نحو عشرين عاما من الانقطاع عن بعض، وبميسور الطلبة في الحالة نفسها التعرف إلى أساتذتهم.

  وأيا يكن الأمر فقد احتفى بي كثيرا حدثني عن أشياء كثيرة، عن الماضي بكل ثقله وعن الحاضر وتحدياته، وعرفني بولده مازن، وذكائه، وأنه حصل على تقدير ممتاز وحصد مرتبة متقدمة بين أوائل الوطن كله!

  ولم يشأ الانصراف عني حتى قادني بيده إلى باب منزله يعرفني على مكانه.. المهم هذا مكاني، هذا الباب بالضبط، تعال إلي في أي وقت تريد، كان الوقت بعد العشاء بنحو ساعتين تقريبا، وعدته بالجلوس معا في أقرب فرصة، ولكن مشاغل الحياة الكثيرة وسفري لمواصلة الدراسة كانا حائلين بيننا.

  الموت في تعز، كما في بقية هذا الوطن المثخن طعنات وجراحا، لم يفرق بين أحد وآخر، يختار ضحاياه كما يحلو له، لا كما نريد نحن.

  وسيظل يمارس هوايته في الإطاحة بالبشر بعساكره الكثيرة طالما ظلت السلطات نائية بنفسها عن أهم مسؤولياتها، حفظ أمن المواطنين، ليس أنور أول الضحايا نتيجة هذه الحرب القاسية وحتما لن يكون الأخير، فماذا أنتم فاعلون!؟