اليمن على هيئة مستعمرتين

السبت, 17 يونيو, 2017 12:10:00 صباحاً


اليمن على وشك أن يصير جزءاً من الماضي. اليمن الناس واليمن الجغرافيا. شعوب متداخلة ومتقاتلة، تاريخ وتاريخ بديل، وحرب يخوضها الجميع ضد الجميع، وعبيدٌ طوعيون مستعدون لنقل السلاح من كتف لأخرى. الجوع والكوليرا وسجون التعذيب، وجغرافيا لتجريب السلاح والتدريب على امتلاك الأجواء.
 
رصدت منظمة سام ١٢٠ سجناً سرياً يستخدمها الحوثيون في الشمال، ويمارسون فيها ما أسمته المنظمة "القتل الوحشي". جنوباً يقيم التحالف العربي، الإمارات تحديداً، سلسلة سجون خاصة، ويتطابق مع الحوثيين في "القتل الوحشي". ثمة معلومات تتحدث عن سجون تعذيب خاصة على ظهور السفن، عن سجون في "مصوع" الإريتيرية. الشمال في قبضة ميليشيات مسنودة خارجيا، وكذلك الجنوب. وبينما يصير الشمال سجناً كئيباً، يؤول الجنوب إلى جمهورية خوف بدوية الطابع، لا علاقة لها بأي فكرة عن الجمهورية.
 
رصدت منظمة سام ثمانية سجون للتعذيب في عدن تحت إشراف الحزام الأمني، وثمانية سجون تعذيب خاصة تحت إشراف شلال والزبيدي. كما رصدت ٦ سجون تعذيب في حضرموت وسقطرى. لا تعرف السلطات البيروقراطية الهشة عن تلك السجون شيئاً. التحالف الذي قدم لاستعادة السلطة البيروقراطية للدولة قام بضرب حرس الرئيس دفاعاً عن زعيم ميليشوي اسمه "أبو قحطان". كما يقوم ذلك التحالف الكبير بإلقاء رجال الحكومة الشرعية في السجون السرية، ليحقق معهم راديكاليون مرتزقة يحملون الكُنى، وبلا ملامح. في العام الماضي أكد لي أحد رجال هادي المقربين المعلومة التي تقول إن ضباطاً إماراتيين القوا بوزير الداخلية "عرب"، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة، اليافعي، في سجن خاص لأسباب تافهة! هكذا يستعيد التحالف العربي السلطة الشرعية.
 
ماذا يريدون الحوثيون في الشمال؟ ماذا يريد الإماراتيون في الجنوب؟ الجنوب مستعمرة إماراتية، وهناك عبيد طوعيون كثيرون يبدون استعداداً للقتال دفاعاً عن المُحتل في الشمال والجنوب. هؤلاء العبيد الانتحاريون متوفرون بكثرة ولولاهم لما وقع اليمن في الهاوية. نعاني وسط هذه الكارثة التي صنعها العبيد الطوعيون.
 
مرت الذكرى السادسة لثورة ١١ فبراير هذا العام ولم يحتفل بها أحد لا في المستعمرة الإمارتية جنوباً ولا المستعمرة الإيرانية شمالاً. تشكل المستعمرتان ما تزيد نسبته عن ٨٠٪ من الأرض والسكان. في ٢٠٪ من الأرض/ السكان أوقدت شعلة فبراير تحت وابل من القذائف والصواريخ المُغيرة.
 
في السنوات الأخيرة قامت الإمارات بغمر أجزاء من مياه الخليج بالأحجار والرمال لخلق أرض جديدة. في جنوب اليمن ثمة ما يكفي من البحار والأرض معاً، أرض واسعة بكلفة لا تكاد تذكر. يكفي أن تعطي مالاً وسلاح ل"أبو قحطان"، وتستلم أرضه.
 
وبالرغم من الزعم العربي القائل إن التحالف قدم إلى اليمن لأجل إعادة الشرعية إلا أن الحقيقة تقول أن التحالف يخلق منظومة رعب وتحكم في الجنوب تحُول، على مدار الساعة، دون بروز أي ملمح بيروقراطي للدولة. سلسلة من السجون، ميليشيات مسلحة وضاربة لا تخضع لأي رقابة، وتقويض شامل لأي رأي معارض، وطمس لكل معالم السياسة كما نعرفها. بالتوازي تعمل الإمارات على تزويد بعض المناطق بالطاقة أو عربات الإطفاء، وربما قامت بترميم مدرسة أو رصف طريق.. تفعل ذلك لكي تخفي معالم الجريمة.
 
موت الملك عبد الله في يناير ٢٠١٥ هو الذي غير قواعد اللعبة في الجزيرة العربية، مؤقتاً. سرعان ما عادت الفكرة القديمة إلى الديوان. كان الحوثيون منتجاً إيرانياً وخليجياً مشتركاً. لكنهم فضلوا، في الأخير، الحضن الإيراني فهو أضمن وأدفأ، إذا استعرنا تعبيراً لفاروق الشرع ٢٠٠٦. فالحوثيون كانوا يعلمون أن العربية السعودية ليست أكثر من ديوان، من يدخل إليه أولاً يصبح قادراً على أن يغير كل شيء. اتجهوا إيرانياً، وتجاهلوا الوحشية النجدية ذات التاريخ الخصيب من العنف. نجد ليست طبق كبسة، فمن حاصل ١٩ إرهابياً فجروا عاصمة المال العالمية كان ٨٠٪ منهم سعوديين. فقد شهدت الجزيرة العربية في الفترة بين ١٧٤٤ ـ ١٨٠٣ الظهور الأول للدولة السعودية، بوحشية غير كلاسيكية جعلت من الرب رمحاً طويل المدى، ولا يقر له قرار. استطاعت القوة الوليدة، تلك، أن تسحق كل ما يقف في طريقها من جنوب الجزيرة وشمالاً حتى حلب، قبل أن تنحسر أمام القوات المصرية ـ التركية. لم تكن تكتفي بالنصر، بل تجعل من المهزومين عبرة لكل الأزمنة، وأمثولة لكل رغبة في المقاومة، كما فعلت في البصرة ومدن جنوب العراق سنة ١٨٠٣.
 
وكانت المرأة في تلك الصحراء المقاتلة تهدهد وليدها على أغنية "أبو عيون لجلاج، تكبر وتسرق الحجاج".
 
وقع اليمن ضحية لكل تلك القوى الكبيرة والغازية، وضحية للعبيد الطوعيين في الداخل، وانكسر كما لم يحدث من قبل.
 
في لحظة مثل التحالف العربي، بوصفه بان آراب pan arab، فرصة للإنقاذ، واعتُقِد أن الرجل الذي وصل أخيراً إلى الديوان في العربية السعودية سيختار السلام أخيراً، وأن طريق السلام سيبدأ عن طريق استعادة السلام في اليمن. في ٢٦ مارس، ٢٠١٥، أعلنت تأييدي لعاصفة الحزم وكتبت أول منشور أخاطب فيه "جمهورية مصر" بقيادة التحالف، فقد تعلمت من قراءتي للتاريخ أن المرء يجدر به الاطمئنان لدولة ذات تاريخ طويل مع معادلات السياسة والحرب والسلام. لكن مصر الراهنة، مصر الجنرال بلحة، ليست مصر عبد الناصر، ولا هي مصر محمد علي. لقد حصلنا على تحالف عربي ليس أسوأ منه سوى أن لا يحدث.
 
كان الجمهوريون اليمنيون والجيوش العربية قد مثلوا، في البداية، حلفاً يملك مشروعية أخلاقية تاريخية، قبل أن تختلف الطرق. أثببت السعودية، من جديد، أنها قادرة على معاقبة القرى والقوى التي تبيع كتفيها للسلاح الإيراني، فقد جعلت من الحرس الجمهوري أثراً بعد عين. ولم تستطع أن تثبت أو تؤكد شيئاً بعد ذلك. لا داعي للحزن على الحرس الجمهوري، فعندما طاله الدمار كان قد أصبح عصابة لا تستند لأي مشروعية. كالعادة، أيضاً، أثبتت السعودية أنها لا تملك رؤية عن كيف تصنع جيراناً مستقرين. هي نفسها التي دفعت حسين الأحمر لتأسيس مجلس التضامن، من ٢٥٠٠ شيخ، نائية عن تكتل أحزاب اللقاء المشترك، وغير آبهة بالحديث إلى عميلها صالح عن كيف يحكم بشكل أفضل.
 
أما الإمارات فهي دولة على شكل مافيا، قال وزير خارجيتها إنه ذهب إلى حرب اليمن انتصارا ل"أجداد العرب"، ثم راح يبني السجون الوحشية لذلك الجد العربي، ويفكك ما بقي له من تضامن اجتماعي، ومن تاريخ مشترك.
 
وفوق كل هذا راح الإعلام الإماراتي، والميليشيا الإماراتية المحلية، تتوعد هادي والإصلاح والمقاومة والعاديين المنفيين، والرافضين الأحرار إلخ، تصنفهم وتعزلهم، وتحاصرهم كما فعلت مع تعز. للعام الثالث على التوالي تغرق تعز في الظلام والفقر والحصار، الحصار من كل الاتجاهات، والشيطنة الشاملة. يقول صالح إنها وكر لداعش، ويقول إعلام الإمارت والسعودية إنها وكرٌ للقاعدة. هذا النهار قال تقرير على العربية نت إن زعيم القاعدة في اليمن خالد باطرفي أصدر "توجيها ميدانياً" لقواعد حزب الإصلاح ل.. إلخ.
 
تعز، المحاصرة، تتلقى التوجيات الميدانية من تنظيم القاعدة، يقول إعلام السعودية والإمارات. هكذا، بهذه التفاهة التاريخية التي لن تغتفر. التهديد الإماراتي لقوى يمنية كثيرة هو تهديد يطال يمنيين أحراراً في لحظة هزيمتهم، ليلحق بهم الهزيمة الثانية بعد الفعل الميليشوي الكبير. إصرار على طمس ملامح اليمني، لا ملامح أرضه وحسب، وتحويله إلى لا أحد.
 
قبل أيام نشرت صحيفة المصدر تقريراً مهماً عن تجارة المخدرات والسلاح بين صعدة والعربية السعودية. تحدثت الصحيفة، نقلاً عن مصادر محلية من صعدة، عن المبلغ الذي يتحصل عليه المهرب، يصل إلى ١٥ ألف ريال سعودي، لقاء حزمة مخدرات يوصلها إلى الأراضي السعودية. كما قال مدرس من صعدة للصحيفة إنه سيواصل نقل المخدرات إلى السعودية، فهو لا يريد أن يموت جوعاً.
 
اليمن كبير، وعندما يغرق الكبير فسوف يسحب الآخرين معه إلى القاع، أو يدفع المياه للفيضان وغمر القرى المجاورة.
 
وقبل ذلك، فلا بد من صيغة ما لإيقاف التفكك المتسارع قبل أن تصبح كل صيغة ممكنة غير ذات جدوى.