هل أنا إرهابي؟ هل أنت إرهابي؟

السبت, 10 يونيو, 2017 12:30:00 صباحاً


السعودية والإمارات دولتان ترتكبان خطأ فادحاً من خلال العبث بموضوعة الإرهاب، الخطيئة نفسها التي اقترفها الحوثيون، وغدت وبالاً على الجميع. فقد اعتبر الحوثيون كل من يطالبهم بإلقاء السلاح والانخراط في السياسة إرهابياً، وصولاً إلى وضع رئيس الجمهورية في درجة أحد زعماء تنظيم القاعدة. صالح أيضاً استخدم دالة الإرهاب، وعبث بها كثيراً. وفي خطاب أخير قال عن محافظة تعز، أكبر محافظة يمنية، بأنها محافظة لتنظيم داعش.
 
الأمر لا يتعلق بقطر، فقطر دولة تعرِف كيف تدافع عن نفسها، ولا بد أنها ستتنبه لأخطائها. كما أن السياسة الإعلامية لقطر في العامين الأخيرين كانت ملتبسة كثيراً حد محاولتها تسويق جماعات إرهابية مثل جماعة النصرة بوصفها تنظيما ثورياً. تتذكرون المحاولة البائسة التي قام بها أحمد منصور مع زعيم تنظيم جبهة النصرة في حينه، وكيف كانت عينا منصور تبرقان أمام الرجل الذي أعطى ظهره للكاميرا، ومن وقت لآخر كان منصور يلتقط رداً ساذجاً ويحاول إعادة صياغته ليبدو موقفاً متحضراً وتقدمياً.
 
يمكننا كتابة الكثير حول هذا الأمر.
 
كان كتاب سيد قطب "معالم على الطريق" هو أخطر مرافعة إرهابية في القرن العشرين. المرافعة التي دفعت قارئاً ذكياً، كالشيخ يوسف القرضاوي، لوصفها بأنها "خروج عن منهج أهل السنة والجماعة، وانتقال من الاعتدال إلى التكفير".
 
تلك المرافعة الإرهابية الأكثر خطورة، التي رفضها القرضاوي، قامت المملكة العربية السعودية بطباعتها من خلال وزارة المعارف، وتوزيعها على مدارس الإعدادية والثانوية.
 
إذا حصلت على نسخة إليكترونية من كتاب "معالم على الطريق" ستجد على واجهة الغلاف، إلى اليسار، هذه الكلمات:
 
المملكة العربية السعودية
 
وزارة المعارف
 
المكتبات المدرسية.
 
تمضي السخرية العربية، السخرية التي لا يزال جيل النكسة يصنعها، إلى اعتبار القرضاوي إرهابياً. يمكنك مناقشة الكثير مما يقوله القرضاوي، ورفض مشروعه بالكامل، لكن الرجل الذي يوزع كتاب "معالم على الطريق" على طلبة المدارس عليه أن يتلعثم أولاً قبل أن يتحدث عن الإرهاب.
 
ينشأ الإرهاب في سياقات تاريخية معينة. تعمل شروط كثيرة، سياسية وأمنية واقتصادية ونفسية، على إنضاجه. المؤكد أن النظام الديني في السعودية استثمر كثيراً في موضوع الإرهاب، وكذلك النظام العسكرتاري المتوحش في مصر.
 
مؤخراً تعمل الإمارات على زراعة الإرهاب، من خلال تنميتها للجماعات الراديكالية ودعمها للتنظيمات المسلحة تحت الدولتية في أكثر من دولة. من زراعة الإرهاب إلى العبث بموضوع الإرهاب. فحزب الإصلاح الذي أُطلق عليه، وليس من غير دليل، وصف "جماعة شكراً سلمان" وضعته الإمارات في قائمة الإرهاب. أن تضع الإمارات جماعة شكراً سلمان في قائمة الإرهاب هي مفاجأة من الوزن الثقيل. فكأن هذه الدول تريد أن تقول، علانية: لا نريد حلفاء ولا أصدقاء، امنحونا مزيداً من الأعداء. هكذا نشأت الأحلاف الجديدة: ذهبت الإمارات والسعودية وحصلتا على موريشيوس وجزر المالديف، كحلفاء جدد. وحصلت قطر على تركيا وإيران. كأننا بإزاء محورين متصارعين تمثل "لميس الحديدي" المفكر الاستراتيجي لأحدهما، ويمثل عزمي بشارة مفكراً للطرف الآخر. من يركض أسرع، من يملك العدد الأكبر من خلايا الدماغ هو من سيكسب المعركة.
 
الدول التي تحكم على مواطنٍ فرد بالسجن لخمسة عشر عاماً كعقوبة على بوست في تويتر، أو يقتل جيشها خمسة آلاف متظاهر في ثلاث ساعات، أو يدعو فيها مائة ألف مسجد كل ليلة "اللهم اهلك النصارى وزلزل الأرض تحت أقدامهم" هي دول منتجة للإرهاب، تنتج إرهاباً من الدرجة الفاخرة، وتعمل على خلق الشروط التي تجعل من نمو الإرهاب مستداماً.
 
هناك إرهاب، هناك إرهاب بالفعل وهو القرحة التي تتآكل الحضارة، وفقاً لتعبير روجيه غارودي. كان غارودي يشير إلى النسخة البدوية من الإسلام، النسخة السعودية، النسخة التي تقاتل الأغاني وتمجد الموت، وتريد إخضاع العالم لرؤيتها. هي نفسها، تماماً، التي نجدها شاخصة وماثلة في "معالم على الطريق". لا بد أن نخاف ممن يخاف من الموسيقى، كما علمنا إبراهيم نصر الله. أحبت السعودية كتاب "المعالم" لأنه كان واضحاً، يقول كل ما يريد الشيخ البدوي والملك قوله. ففي الكتاب يسخر قطب من الديموقراطية ويعتبرها خديعة، ويرفض تقديم أي مشروع إسلامي سياسي، معتبراً ذلك فخاً، وينادي بإخضاع العالم أولاً ثم الحوار معه بعد ذلك. نصوص الكتاب واضحة، وهذا ما فهمته الوهابية بالتأكيد، واستلهمته، وأعادت إنتاجه.
 
فعندما أنجز وهابيٌ كلاسيكي، ربيع بن هادي المدخلي، كتاباً ضخماً يهاجم فيه "قطب" لم يجد أحداً من كبار بابوات الوهابية يقبل بكتابة مقدمة لكتابه. في البداية أذن الهضيبي، مرشد الإخوان، بطباعة كتاب المعالم قائلاً، كما تروي زينب الغزالي إن سيد قطب هو آخر ما بقي للدعوة. ومع الأيام وضع الإخوان ذلك الكتاب تحت الطاولة، ثم مرت السنون وصار في الرفوف البعيدة، ويمكنني القول إن الأجيال الجديدة لم تسمع عنه شيئاً. ذلك تحول كبير حدث داخل حركة إسلامية سياسية، وهو التحول الذي تعاقب بسببه.
 
سيخوض الإخوان غمار الحياة العامة بالتدريج، وسيقفز جيل جديد، جيل أبي الفتوح والعريان والزعفراني، إلى الاتحادات الطلابية وسيلتحمون بالقوى المدنية، والناصرية تحديداً، وسيتعلمون الكثير. ستتغير لغتهم، قاموسهم، وإشاراتهم، فقد وجدوا أنفسهم لأول مرة، في السبعينات، أمام المايكرفونات وعلى منصات المواسم الطلابية، ولا بد من ابتكار لغة جديدة، وفكرة جديدة، كما يذهب ضياء رشوان.
 
في العام ٢٠١٧ نحن بإزاء أجيال جديدة من الإخوان تختلف إلى حد بعيد عن الأجيال المبكرة. وذلك ما جعلها إرهابية في التقدير الإمارات والسعودي. فالأجيال الجديدة تركت فكرة الخلافة واتجهت إلى تمجيد الدولة القومية، والحديث عن الديموقراطية. تريد تلك الدول اعتبار هذه الانتقالة إرهاباً، لأنها خروج عن الإسلام المُديَول، بتعبير محمد أركون.
 
الإسلام الذي يُصاغ اجتهاده وفقهه وخياله في بيوت الحكُم. من المثير ملاحظة أن الدكتور الحميقاني اعتبر إرهابياً بعد انتقاله من السلفية الوهابية إلى السلفية السياسية. كان وهابياً متجهماً، وقبل خمسة أعوام اختارالسياسة وأنشأ حزباً. ها هو، وقد صار سياسياً، يغدو إرهابياً. كأننا، تدريجياً، بإزاء معنى جديد للإرهاب: الديموقراطية. فالحديث عن السياسة، أو المطالبة بها، قمين بمنح صاحبه صفة إرهابي. قبل عشرة أعوام تقدم ١٢٦ مثقفاً سعودياً بعريضة إلى الملك عبد الله، ملك العربية السعودية، يطالبونه فيها بإصلاحات قانونية وسياسية، فحكم عليهم بالسجن لفترات وصلت إلى ١٥ عاماً.
 
ثمة عبث جم بموضوعة الإرهاب بلغ حد اعتبار شركة "أبل الدوحة" منظمة إرهابية، كما في القائمة التي نشرتها الإمارات/ السعودية بالأمس. وهذا ما يجعلني، وأنت، نتحسس هندامنا وعقولنا، ونتساءل عن حق: ما إذا كنا نحن أيضاً إرهابيين.
 
فنحن لا ندافع عن قطر، وليست مسألتنا.